ويلك من الله أيها المغتصب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

لقد كثرت جرائم الاغتصاب في العقود الأخيرة بشكل كبير في العالم كله، ولم تسلم الدول العربية والإسلامية من ذلك. والاغتصاب له صور عدة، منها اغتصاب الحق والمال والأرض وغيرها. وقد يقع في صورة الحرابة وقطع الطريق على الناس ومهاجمتهم بالسلاح وأذاهم وسرقة أموالهم ونحوها. وهي من كبائر الذنوب التي توجب الحد. قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ

وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[1]. أو يكون في صورة النصب والاحتيال الذي يحدث حتى بين المتعلمين وأصحاب الوظائف، أو في صورة استقطاع الأرض واغتصابها بالاستيلاء عليها. وقد يقع بصورة أخذ حق معنوي كالابتزاز والاستغلال والسرقات العلمية والظلم والبهتان وغيرها الكثير من الصور. ومع ذلك فقد ارتبط لفظ الإغتصاب في هذا العصر باغتصاب النساء والإعتداء عليهم جنسياً. وهذا من أشد الصور إجراماً وأكثرها أذىً؛ حيث يُنتهَك عرض المرأة ويُسلب منها شرفها بالقوة والأذى الجسدي. وهذه جريمة بشعة وتعدي على حقوق الغير بمنتهى القسوة والجبروت.

وهناك عوامل عديدة ساعدت على زيادة حوادث الإغتصاب، منها الانهيار التدريجي في حشمة النساء الذي حدث في العقود الأخيرة خاصة؛ حيث تركت النساء التستر وصرن يخرجن في ملابس ضيقة أو شبه عارية، وكن في الماضي أكثر تحشما. وحتى غير المسلمات كن يلبسن ملابس طويلة ومن عدة طبقات. واليوم تأثرن بترويج الإعلام للخلاعة وصرن يتابعن الموضة التي زينت لهن لبس القصير والمبتذل وجعلت التكشف أمر عادي لا بأس به في أعين الناس. وحتى بعض الرجال صار لا يهتم أن رأي زوجته أو بنته متبرجة وتظهر بملابس قصيرة أمام الأجانب ولا يحرك ساكناً. بل وربما يعجبه الحال ويفتخر بإظهار حسنهن للناس وجمالهن. وصارت النساء تظهر بمناظر غير لائقة في الشوارع تثير شهوة المارة وتنشر الدعوة إلى الزنا والاغتصاب. هذا بالإضافة إلى إنتشار الأفلام التي تدعو إلى الفاحشة والمقاطع المثيرة التي تروِّج للعشق الحرام والحب خارج الزواج والعلاقات غير الشرعية. وكذلك ظهور قنوات اليوتيوب التي صارت في متناول يد الجميع مع إنتشار الجوالات، وزيادة القنوات الفضائية وسهولة الوصول إليها. وكثرة خروج النساء من بيوتهن لسبب أو بغير سبب، وتلاعبهن مع الرجال في أماكن العمل والدراسة وغيرها. وانتشار ما يعرف بالارتباط والصداقة وغيرها من العلاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج. وقلة الوازع الديني عند الشباب والفتيات. وإنتشار الجهل بالدين والعلم بأحكامه وحدوده. والجهل بعقوبة الزنا التي توجب الحد. وتساهل السلطات في تطبيقها وعدم تدخلهم فيما يدور بين الشباب في الجامعات ومكاتب العمل ودور الحكومة وغيرها من الأماكن العامة. وكذلك استعمال الإغتصاب كوسيلة لتدمير الخصم وإضعافه في بعض الحروب. وذلك أن الأعداء يعرفون أن اغتصاب النساء لا يؤذي المرأة فحسب، بل يكسر المرأة والرجل معاً ويضعفهما. وذلك لما فيه من عامل نفسي مرتبط بالقسر والذل وفرض الجبروت. وأي امرأة لابد وأن لها أقارب من الرجال، وما يذلها يذلهم لأنها. كما أن قضية الشرف لا تخص المرأة فحسب، ولهذا استعملوه كسلاح حرب قذر وتمادوا فيه.

أثر الإغتصاب وتبعاته

للاغتصاب آثار سيئة كثيرة على المرأة وذويها وعلى المجتمع والدولة برمتها. والمرأة التي تُغتصب يقع عليها أذى جسدي ومعنوي كبير، تعاني تبعاته طيلة حياتها. فهي تتأذى في شرفها ظلماً وزوراً وهتكاً لإنسانيتها وعرضها وعرض أهلها وأسرتها. وهذا يدمر نفسيتها ويصيبها بحالة من الاكتئاب قد تؤدي بها للانتحار. وقد حدثت بالفعل حالات كثيرة من الانتحار حول العالم من آثار هذه الجريمة. وحتى من نجت تصبح بعد ذلك كثير منهن تصبح لا تثق بأحد ولا ترغب بالحياة ولا بالزواج، وترى الرجال كلهم وحوش ويصعب عليها الثقة بهم. ثم أنها تتأذي بدنياً من جراء ذلك الهجوم الحيواني، وتفقد عذريتها وكثير منهن تنتهي بالنزف والجروح التي تستلزم العلاج. فأي جرم أكبر من هذا يقع في حقها؟ إنه لظلم كبير وشنيع ولا يصدر إلا من وحش لا ضمير له ولا دين ولا خلق. فيا ويل من اغتصب مسلمة وسرق شرفها، ويا عقابه من الله الذي ينصر كل مظلوم ويقتص من الظالم أينما كان ويعدل بين عباده.

والاغتصاب يسبب ضررا كبيرا على المجتمع الذي يعاني تبعاتها لأوقات طويلة. ففيه هتك للأعراض وخلط وتدنيس للنسل ونشر أبناء الزنا واللقطاء. وفيه نشر للظلم وعدم الأمان في البلد لاسيما إن تُرِك الجاني دون عقاب. وأما أثره على أهل المغتصبة ففيه دمار لشرفهم وعرضهم. هذا غير الأذى الذي يلحق بنتهم وحزنهم عليها وما يصير فيها من أمراض نفسية قد لا تستطيع الشفاء منها. وكذلك تسوء سمعتهم بين الناس التي لا ترحم وتلوك ألسنتها فيهم وفي بنتهم. وتحط كرامتهم في الأرض من شيء قام به مجرم خبيث ولا ذنب لهم ولا لابنتهم فيه. وإن حاولوا الإبلاغ عنه ربما لا يجدوا دليل على دعواهم فلا ينصفهم القانون. ولو حاولوا الاقتصاص لبنتهم وعرضهم بأنفسهم فربما عاقبتهم السلطات وحاكمتهم دون النظر في دوافعهم. فيا للظلم الذي يوقعه ذلك المغتصب الأناني على تلك الأسرة المكلومة في بنتها العفيفة الشريفة الطاهرة.

جُرم الإغتصاب وعقوبته

والمغتصب مجرم وشرير، وأقل جرمه أنه زاني، كما أنه مغتصب سارق لشرف غيره. فعليه عقاب جريمة الزنا وجريمة الإغتصاب معاً. والزنا كبيرة من كبائر الذنوب التي توجب الحد ولها عقوبة شديدة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)[2]. وهي توجب حد الزنا وهو "الجلد مائة جلدة للزاني البكر (الذي لم يسبق له الزواج) وينفى الرجل من بلده عاماً، وأما الزاني المحصن (الذي سبق له وطء زوجته في زواج صحيح) فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت"[3]. وله في الآخرة عذاب النار. وهي سبب لعذاب القبر. وجاء في عقابها في حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها لأصحابه: (فانطلقنا فأتينا على مثل التنور قال فأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا)[4]. وهي فوق ذلك جريمة نكراء ومدمرة للمجتمع ومضيعة للأنسال والأنساب. وقد تصيب الجاني بالأمراض التناسلية المعدية. بالإضافة إلى نبذ المجتمع وتعنيفه وتدمير السمعة والاكتئاب بعدها وربما تلقي السلطات عليه السجن أو الغرامة. أو يقع عليه انتقام أسرة الضحية.

ولا تكفي توبة المغتصب فحسب ليكفر عن جرمه، بل لابد له من إرضاء خصمه. وستأتي ضحيته لتقتص منه يوم القيامة. فقد خرَّب حياتها وضيَّع شرفها وسمعتها، ودمَّر أحلامها ومستقبلها وحول حياتها إلى جحيماً لا يطاق. فهربت البسمة من شفتيها وأصبح لا يُرى منها سوى البكاء والأسى والألم. وستدعو الله عليه كثيرا لظلمه إياها، ودعوة المظلوم لا ترد وليس بينها وبين الله حجاب. قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثُ دَعَواتٍ مُستجاباتٍ: دعوةُ الصائِمِ، ودعوةُ المظلُومِ، ودعوةُ المسافِرِ)[5]. وصدق من قال:

"لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ً… فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ

تنام عيناك والمظلوم منتبه ٌ… يدعو عليك وعين الله لم تنمِ"[6]

ولا يقتصر ظلم المغتصب على ضحيته فحسب، بل يظلم أهلها أيضاً الذين قضوا عمرهم ليربوها ويحموها ويحفظوها من كل سوء. وكانوا يحلمون برؤيتها سعيدة، في بيتها مع زوجها ويروا أحفادهم. ولكن أحلامهم ذهبت بعد أن أتي هذا الكلب الأناني المفترس بشهوته اللعينة تلك ليدمر بنتهم ويؤذيها ويخرب سمعتها وسمعتهم وينتهك شرفهم. كل ذلك لأجل لذة عابرة لا تستمر سوى دقائق. فيضيع حياة إنسان كامل لأجل نزواته القذرة، ولكنه سيعاني تبعاتها طيلة حياته وسيأكله الندم والحسرة بعدها. والضحية وأهلها لن يتركوه حراً طليقاً، بل سيحاولون الإنتقام لبنتهم وشرفهم، إما بالقانون أو غيره. فالإنسان الحر لا يقبل أن ينتهك شرفه ويغتصب دون فعل شيء. وربما يرى انتقام الله منه في بناته وأهل بيته، وكما قيل "كما تدين تدان". وستدعو عليه ضحيته بالليل والنهار، ولن يخذلها الله الذي ينصر المظلوم ويستجيب دعائه. قال صلى الله عليه وسلم: (اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)[7]. وكثيرا ما تنتهي قصص الاغتصاب بنهاية مأساوية للمغتصب. ومحاضر البوليس تحكي عن ذلك.

قصة من الواقع للعبرة والعظة

وهناك قصة واقعية تم نشرها على بعض قنوات اليوتيوب. وهي لفتاة حرة من أحد الدول العربية، تم اختطافها من قبل خمس شباب، قاموا بحجزها واغتصابها لمدة ثلاث أيام. ثم رموها على الطريق بعد أن قضوا شهوتهم منها كالكلاب المسعورة. فذهبت للشرطة لتبلغ عنهم ولكنهم طالبوها بتفاصيل عنهم لم تكن تعرفها، مثل رقم السيارة التي اختطفتها وغيرها. فرجعت خائبة حزينة مكلومة في حقها وشرفها. ولكنها لم تسكت، فقامت بقتل أربعة منهم واحد تلو الآخر ثم هربت من البلاد ولم تتمكن السلطات من الإمساك بها حتى اليوم. ورغم أن قتلها لهم فيه شيء من التمادي والظلم ولكن الظلم الذي ألحقوه بها كان كبيراً جدا لم تتحمله تلك الحرة ولم تجد من ينصرها. ولم تستطع الإنتقام منهم سوى بالقتل، بعد أن ردتها الشرطة خائبة ولم تنصرها رغم ما وقع بها. فهذه قصة حقيقية تداولتها مواقع التواصل وكانت نهايتها أن فقد هؤلاء المغتصبين أرواحهم بسبب شهوتهم العابرة. وتأذت فيها بنت شريفة أذىً كبير وظُلِمت فيه أيما ظلم.

وانتقام الضحية من المغتصب سواء بالقانون او بيدها ويد ذويها يرد لها شيء من حقها واعتبارها ويشفي غليلها، ولكنه مع ذلك لا يمحو حادثة الإغتصاب من ذاكرتها ولا الألم والقهر الذي مرت به. وما يكسر في النفس البشرية لا يلتئم بسهولة، وربما تحتاج بعده علاج نفسي يستمر لوقت طويل. فكيف للشرطة بعد كل ذلك التشكيك في أقوالها أو مطالبتها بتفاصيل يصعب تحصيلها حتى برجال الأمن. وهل وقت اختطافها يمكنها أن تلاحظ رقم سيارة أو تفحص تفاصيل مع رهبتها وخوفها ومقاومتها لهم؟! ثم هم قبضوها وربطوا عينيها ولثموها حتى لا ترى ولا تصرخ. إن ذلك كان تصرف غير حكيم أودى بتلك المسكينة لأن تأخذ حقها بيدها، وانتهى الأمر بموت أربع شباب. وقد جاء في مقاصد الشريعة الحفاظ على النفس والعرض والنسل. فإن لم تنصرها السلطة فمن ذا الذي ينصرها. والله تعالى عالم بالظلم الذي وقع عليها وعلى كل من اُغتصِبت مثلها. وكم هو ظلم كبير وأذى لا يوازيه أذى، ولا يعرف مداه إلا الله، ثم من يفهم نفسية المرأة ويشعر بما تشعر به.

صدق المغتصبة وبراءتها

والفتاة عندما تخرج على الملاْ وتقول أنها اغتصبت أو أصيبت في شرفها تكون صادقة في معظم الأحوال. حيث ليس هناك حرة تخرج وتتكلم عن هتك شرفها إلا وتكون مظلومة. ولو كان الحادث مجرد زنا برضاها لما خرجت وتكلمت أمام الناس، بل ستختبئ وتخفي جرمها ما استطاعت. وهي لن تفضح حالها إلا إذا كانت في ألم كبير يطغى على كل شيء وينسيها نفسها. وهذه طبيعة النساء يتسترن إلا في هذه الحال. فعند الإغتصاب تنهار الدنيا بما فيها في عين المرأة ولا تعد ترى أو تفكر إلى فيما حدث لها وكأن الكون بأكمله أظلم في وجهها. وحتى إن لم يعرف الناس بما جرى فإن الأذى الذي أصابها يجعلها تخرج وتتكلم به. ومثال لذلك قصة حدثت في مستشفى في أحد البلاد العربية، حين أجريت عملية جراحية لفتاة في مقتبل العمر، وأثناء استعادتها للوعي من التخدير أحست بالممرض يحاول ملامسة جسمها بعضوه الذكري ويحاول اغتصابها، ولكن لم تكن لديها القدرة على المقاومة أو الصراخ من أثر المخدر. وبعدها خرجت على اليوتيوب في بث مباشر تحكي بحرقة وبكاء عما فعله بها. فهذه البنت لا يمكن أن تكون كاذبة. وهي ليست الوحيدة، بل إن حوادث الممرضين وحتى الأطباء في الإغتصاب كثرت وظهرت مقاطع كثيرة عن هذا الموضوع. وللأسف، إن هذا الخزي والعار يحدث في المستشفيات التي يثق بها الناس ويسلمون أنفسهم لها للعلاج ويصدر من أفراد يعملون في مجال الطب. فهؤلاء الطب بريء منهم وعلى الدولة إيقافهم من ممارسة تلك المهنة الشريفة. وكيف تسمح لهم نفوسهم بخيانة الأمانة والتعدي على مرضى تحت التخدير أو غيره. وقد أدوا القسم بحفظ المرضى وخصوصياتهم قبل أن يُسمح لهم بممارسة الطب، ولكنهم خانوا ذلك العهد ولم يوفوا بقسمهم. فيا لخستهم ودناءتهم ويا ويل من يرتكب هذه الجريمة الشنعاء في حق مرضاه. والله تعالى بحوله وقوته سينصر ضحاياه ويأخذ ظالمهم أخذ عزيز مقتدر وينتقم منه أشد إنتقام عاجلاً أم آجلاً. قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)[8]. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)[9].

تمهل أيها المغتصب

فيا أيها المغتصب تمهل قبل أن تقدم على جريمتك البشعة تلك التي لا ترحم ضعيف ولا صغير. وتذكر أنك إنسان ولست من البهائم التي تركب فوق بعضها دون حدود ولا حياء. وكف عليك شهوتك ولا تتصرف كالحيوان. وانظر إلى أخواتك وبناتك وتخيل أن واحدة منهن في مكان ضحيتك هذه، ألن يثير هذا ألمك وغضبك وحزنك وأساك عليها؟ ألن ترجع إلى الله وتتوقف عن إجرامك وتعيد حساباتك؟ هل أن مستعد لحسابه واقتصاصه منك؟ ألن تخشى على أهل بيتك من الإنتقام؟ أليس لك ضمير يوقظك ولا وازع ديني يردعك ولا رحمة في قلبك؟ هل أنت أناني لدرجة أنك لا تعبأ بما سيحدث لضحيتك ولا لأهلها؟ هل أنت بقسوة الوحوش الضارية التي لا ترحم من تهجم عليه ولا تلقي بالاً لما يصيبها؟ بالله عليك اتق الله واحفظ محارمه ... فكل نساء المسلمين أخوات لك في الدين، فاحفظ اخواتك وهذب نفسك وكف عليك شرك. وحتى غير المسلمات هن أخوات لك في الإنسانية ولا يحق لك هتك عرضهن. وتذكر وعيد الله وعقابه وأن لذتك العابرة تلك ستُدفعك ثمنها غالياً في الدنيا والآخرة. وعليك بغض بصرك والبعد عن مواطن الفتن والإثارة. واستعن على التحكم بشهوتك بالصوم والرياضة وطلب العلم والعمل والترويح المباح والتشاغل بما ينفعك في دنياك وآخرتك.

وأنت أيتها المتبرجة

وأنت أيتها الفتاة إياك والتبرج وإثارة الفتن. فإن فعلت فستكونين مشاركة في الجريمة وداعية لها. وراعي أخوتك في الدين ولا تفتنيهم وتثيري غرائزهم بلبسك وعطرك ومشيتك. واخشي على نفسك واحفظيها. ولا تخرجي من بيتك إلا لحاجة، وإياك والتسكع في الطرقات والأماكن العامة، فإن ذلك دعوة للكلاب الضالة. والزمي حجابك وتسترك واحفظي غيبة أهلك وزوجك واتقي الله في سرك وعلنك. واحذري من مصادقة الرجال، فإنها دعوة صريحة لهم لاغتصابك والإعتداء عليك. ولا تأمني جانبهم إلا في الحلال. فمن يسمح لنفسه بعمل علاقة مع بنت أجنبية عنه لا يؤتمن على شرف ولا عرض. ولن يكون زوج ذو دين وخلق ليحفظك في المستقبل. فقري في بيتك وانشغلي بعملك والزمي حجابك وانتظري نصيبك الحلال الذي سيرسله الله لك دون أن يكلفك مهمة البحث عنه أو التسكع مع الأغراب. قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)[10].

دور الفتاة والمجتمع والسلطات في التصدي لهذه الجريمة

           على الناس التصدي لهذه الجريمة الشنيعة والتي إنتشرت سمومها في أطراف المجتمع وتأثرت منها بيوت المسلمين. وعليهم مناشدة السلطات ومطالبتها بالعمل على وقفها ووضع عقوبات صارمة عليها حتى ينتهي عن فعلها الفاعلون. وعليهم تعقب من عُرِف عنه معاكسة النساء وزجره ومراقبته وحماية الفتيات منه. كما على الأسر العمل على حفظ بناتهم ومنعهم من التبرج والسفور. والأفضل لهن لبس العباءة والنقاب. كما ينبغي ألا يخرجن إلا لحاجة ويتجنبن الاختلاط بالرجال بقدر المستطاع إلا لضرورة. وعليهن البعد عن الخلوات وعن الذهاب لأماكن خالية من الناس حتى ولو كانت بيوت عائلة أو جيران. فكثير من الحوادث وقعت فيها. والأماكن التي بها ناس تكون أكثر أماناً من الخالية، حيث لا يجرؤ المغتصب على فعلته أمام الناس ويتحين فرص وجود الفتاة لوحدها. ويفضل ألا تخرج الفتاة إلا برفقة ولا تسافر وحدها دون محرم ولا تخلون برجل. وهذا شرع ربنا الذي يسد الذرائع ويعمل على حفظ المرأة وحفظ حقها. وكل ما شُدِّد فيه على النساء لم يشرع إلا لحفظهن وحمايتهن من الغادرين. قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)[11]. ويفضل لهن الخروج مع ذويهم وترك الخروج لوحدهن سواء لزيارة الصديقات أو التسوق أو غيرها من الأسباب. وترك الاسترسال في النظر إلى الشباب، فغض البصر يشجع الناس على غض بصرهم واحترام المرأة. ويمكن أن تحمل الفتاة معها "بخاخ الفلفل الحار" لترش به وجه من يحاول التحرش بها للضرورة إذا تعرضت لهجوم. ويفضل لها أن تقوي بنيتها وتحافظ على رشاقتها وصحتها لتستطيع العدو بسرعة. كما يمكنها تعلم شيء من فنون الكاراتيه لتستطيع الدفاع عن نفسها ودفع المعتدين في حالات الضرورة. وهناك أساليب يمكن لها إتباعها إذا هجم عليها شخص مثل أن تضربه بركبتها في المنطقة الحساسة وتفر بسرعة. فإن ذلك سيؤلم الجاني ويشغله بنفسه عنها. وكذلك هناك طريقة متبعة في الغرب للفتيات المختطفات وهي حركة باليد متعارف عليها لطلب المساعدة. وتكون بأن تقوم الفتاة بقبض الإبهام وجمع الأربع أصابع الباقية ثم قبضهم. وكذلك كتابة كلمة (help) على شيء يراه الآخرون حتى يساعدوها. وغيرها من الأساليب التي يمكن البحث عن المزيد عنها في الويب. وعلى الأمهات توعية بناتهن بكل ذلك وتعليمهن كيف يدافعن عن أنفسهن ويتبعن الضوابط الإسلامية التي تحميهن من الأشرار.

نسأل الله تعالى أن يقتص لكل مُغتصبَة ممن اغتصبها، ويريها فيه عجائب قدرته، ويدفعه ثمن فعلته تلك غالياً في الدنيا والآخرة وينتقم لها منه ويريها فيه الذل والهوان والتعذيب الذي أراها إياه. ونسأله أن يجبر كسرها وكسر أهلها ويصلح حالها ويطيب جرحها ويرجع البسمة إلى شفتيها ويسترها بمن يخاف الله فيها ويحسن صحبتها ومعاملتها. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصادر والمراجع:

     القرآن الكريم

     الحديث الشريف، بتخريج من موقع الدرر السنية.

 

 



[1] المائدة 33.

[2] النور 2.

[3] عقوبة الزاني الدنيوية والبرزخية والأخروية، الشبكة الإسلامية، فتوى رقم (26237).

[4] البخاري (7047).

[5] صححه الألباني في صحيح الجامع (3030). وأخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (1313) واللفظ له، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (648)، والشجري في ((ترتيب أماليه)) (1014)

[6] البيتين منتشران في الإنترنت ونسبهما الكثير للإمام علي رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري (2448)، مسلم (19) مطولا باختلاف يسير.

[8] إبراهيم 42.

[9] البخاري (4686).

[10] الأحزاب 33.

[11] أخرجه البخاري (1862)، ومسلم (1341) باختلاف يسير.