⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ

ظاهرة تعذيب الأطفال

لقد كثرت في السنين الأخيرة ظاهرة تعذيب الأطفال. وهي ظاهرة دخيلة على مجتمعاتنا، حيث لم تتحدث كتب السيرة ولا التاريخ عن حدوثها في الماضي. وربما جاءت نتيجة التأثر بالإعلام من الدول الغير مسلمة. لأنها تخالف تعاليم ديننا الذي يدعو إلى الرحمة بالصغير، والصبر وكظم الغيظ والنصح بالرفق، وتحريم الظلم والأذى. ولا ينبغي لمسلم أن يعنف ابنه أو يضربه قبل أن يرشده ويوجهه. فالكلام وسيلة تعليمية أسهل وأسلم من الضرب والتعذيب وليس لها من أثار سلبية عميقة في نفسية الطفل كما للضرب. ونستقي ذلك من توجيه النبي ﷺ الآباء في التدرج في أمر الأبناء بالصلاة، حيث قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)[i]. فلماذا وإلى أين؟

ولا يقصد بالتعذيب هنا العقاب بالضرب الخفيف (غير المبرح) الذي قد يضطر إله المربي أحيانا في تعليم الأطفال العنيدين إن لم ينجع الكلام وغيره من الأساليب معهم. بل المقصود ما زاد عن الحد من صنوف الأذى مثل الضرب المبرح والحبس والحرق والتجويع أو جرحهم بآلة حادة ونحوها مما يمكن أن يسبب لهم ألم شديد، وقد يترك جروحاً عميقة أو كدمات أو حروق أو علامات دائمة ونحوها. وهذا فعل ليس له مبرر سوى القسوة والجبروت وانعدام الرحمة والإنسانية. فالطفل مخلوق برئ لا يستحق معاملة المجرمين. وحتى إن أخطأ أو تسبب في خسائر أو مشاكل لا يعاقب بمثل ذلك المستوى من الأذى. بل يتم توجيهه وتعلميه بطرق تصل لعقله بسهولة ويسر، ليتعلم من خطأه.

وأفضل ما يتربى به الطفل هو سلوك والديه. فإن كانا ملتزمين بالآداب الإسلامية فطفلهما غالبا ما يكون كذلك، والعكس صحيح. وذلك لأنه يتعلم بالمحاكاة، لاسيما ممن هم قدوة له مثل أبويه، الذين يمثلان له المرشد الناصح الموثوق بكل ما يفعل. وقد جاء هذا المبدأ في حديث الرسول ﷺ، حيث قال: (كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه)[ii].

ورحمة الصغير خلق طيب يتماشى مع الفطرة السوية للإنسان والتعاليم الإسلامية. وقد أمر ﷺ به، حيث قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا)[iii]. ولا يعذبهم إلا من طمست فطرته أو تمكن الشيطان منه. حيث كيف لإنسان سوى أن يقدم عليه؟! والضرب لا يستساغ للكبير ولا للحيوان، فكيف يؤذى به الأطفال! هل لأنهم ضعفاء البنية ولا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم! إن هذا لظلم عظيم ... سيحاسب صاحبه عليه يوم القيامة، إن كان مبرحاً ودون سبب معتبر يرجى منه تأديب أو خير.

والتأديب لا ينجح بالضرب كما ينجح بطيب الكلام وحسن التصرف. وأكثر من يضربون أطفالهم جهلة بعلوم الدين والدنيا. فظيظي الخلق وليس لديهم رحمة، ولا يحسنون التصرف. وضربهم يزيد الطفل عنادا ويبعده عن الأدب. لأنه صار قاس القلب لما عاناه من أبويه الذين كان ينبغي أن يكون هم أقرب الناس إليه. فينشأ في الدنيا لا يعرف فيها سوى القسوة والشدة، ويكبر ليبدأ هو بدوره بضرب من حوله من صبيان. وعندما يصير أبا سيضرب ابناءه، لما انغرس فيه من مشاهد ومعاناة أليمة مر بها في صغره بسبب أقرب الناس إليه.

وهناك سبب منتشر أيضاً لهذه الظاهرة، وهي شرب الخمر. حيث تجعل مدمنها يضرب ويؤذى من حوله دون وعي. وأكثر من يتأذى بذلك هم الزوجة والأطفال. ولذا حرمها الشارع وجعلها أم الكبائر. ويقوم مقامها أيضا تعاطي المخدرات والتي هذ أشد خطراً، لأن مفعولها يستمر لوقت أطول ومدمنها يصير غائب الوعي ولا يدرك ما يسبب من خسائر حوله.

ولحل هذه الظاهرة ينبغي توعية الآباء والمعلمين والمشرفين بأساليب التربية الناجحة، وبتعاليم الإسلام فيها. وخير من نتعلم منه هو نبينا الكريم ﷺ، نبي الرحمة والإنسانية. الذي لم يذكر عنه أن ضرب طفل في يوم من الأيام. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)[iv]. وكذلك تجنب تعاطي الخمر والمخدرات. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

د.منال محمد أبو العزائم

[i] عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، صحيح وله طرق، قاله ابن الملقن في البدر المنير (3/238)، وأخرجه أبو داود (495) بلفظه، وأحمد (6756)، والعقيلي في الضعفاء (2/167) بلفظ مقارب.

[ii] أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه ابن حبان في صحيحه (129)، وأخرجه البخاري (1385) ومسلم (2658) مطولًا باختلاف يسير.

[iii] أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس رضي الله عنهم، صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع (5445).

[iv] الأنبياء ١٠٧.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق