⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ

وحشة الليل وخوف المتقين

عندما تغرب الشمس ويخبت ضوءها يحل الظلام وتنزل معه وحشة الليل. انقباض وقلق يخيمان على نفس المؤمن. فقد مر يومُ من عمره ونقص، واقترب خطوة نحو النهاية ... فيفكر في نفسه: هل استفاد منه؟ وكيف حال عبادته؟ وأين هو من ربه؟ وما هو مصيره؟ أمع الهالكين أم مع الناجين؟ مع الذين تقبَّلهم الله أم مع الخاسرين؟ كيف كان عمله وما الذي قدمه لآخرته في ذلك اليوم. كلها تساؤلات تمر في خلده كل يوم وتولّد معها قلقاً وخوفاً من المصير المجهول. وتمر الأيام والليالي على نفس المنوال ... وكلما زاد علمه وعمله زاد خوفه، وزاد معه رجاءه وأمله في عفو ربه وحسن جزاءه. فيكبران معه شيئاً بشيء ... كأنهما توأمين يترعرعان في كنفه ويختبئان بين جوانحه. فخوفه ورجاءه يبقيان سرين دفينين بينه وبين ربه، لا يعرف عنهما من حوله، ويزداد بهما تعلقه بربه ويقينه. وهذا حال طلاب العلم والعباد والسالكين. قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[1]. وقال عبد الله ابن مسعود – رضي الله عنه -: "ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية"[2].

وزيادة الخوف تدفع المؤمن للزيادة في العمل الصالح، فيزداد أملا ورجاءً في رضا الله وجنته. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[3]. فالسالكين لا تغرهم طاعة ولا تيأسهم معصية، لأنهم يعرفون الله ويعرفون شدة غضبه، ويعرفون رحمته وعفوه. فيخافون بأن لا يتقبل الله عملهم، ويخشون من تقصيرهم وقلة تحصيلهم وما أضاعوا من أوقات في الترفيه واللهو. فتجد أحدهم يكثر من الطاعات ومع ذلك خائف من مصيره ... فيقم من نومه وجلاً والناس نيام ... يمسح النعاس من عينه ويتذكر قوله تعالى: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)[4]. فيقوم تائبا مستغفرا كل يوم، ولا يعتمد على أن عمله سينجيه، بل رحمة الله ودعائه إياه كل ليلة. ومع ذلك لا يترك هذا الخوف يدخله في حالة يأس تمنعه عن الطاعة فينقلب عليه، بل يشمر ويزداد اجتهادا في الطاعة ويدعو الله خوفا وطمعا وسرا وعلانية، وذاك هو الخوف النافع ... خوف المتقين.

[1] فاطر ٢٨.

[2] تفسير ابن كثير، سورة فاطر، آية ٢٨.

[3] المؤمنون ٦٠.

[4] السجدة ١٦.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق