ومن أسباب عدم تعود الأبناء على تحمل المسؤولية الدلال الزائد لهم من قبل الوالدين، دون إعطاءهم فرصة الإعتماد على أنفسهم لنيل ما يريدون. ففعل كل شيء وتقديمه لهم بسهولة لا يعطيهم الفرصة ليجربوا بأنفسهم العمل والسعي والصبر والاجتهاد. فيضعفهم ذلك ويغرقهم في ترعة الترف والدلال. وعندما يكبروا يجدون صعوبة في مواجهة الحياة، حين يفقدوا دعم والديهم ويجدوا أن عليهم الاعتماد على أنفسهم والقيام على أمورهم في كل شيء. فعندها سيتعبون ويواجهون مشكلات كثيرة، وربما يستسلموا ويفشلوا. أو يعيشوا في فقر وضيق لضعف تعليمهم حيث أضاعوا صغرهم في الترف والدلال وعدم الشعور بأهمية العلم والعمل. وذلك لأنهم صحوا على الدنيا ووجدوا كل شيء يُعمل لهم، وليس عليهم السعي له. فلم يجدوا ويجتهدوا ويتعبوا للتحصيل كبقية الأطفال، ولا شيء يجذبهم للقيام بذلك. وهذا يضعفهم أكاديميا ويجعل خبرتهم في الحياة محدودة. وربما يزيد من وزنهم بعدم الحركة ويؤثر سلبا على صحتهم. فيصابوا بمرض البدن وتبلد الدماغ. وربما أدى ذلك لإصابتهم بالاكتئاب والغم، أو بالغرور والتعالي على أقرانهم.
ونجد تلك الصفات تكثر عند أبناء الأغنياء، حيث ينشأ البعض منهم وفي يديه ملعقة من ذهب. فيكبر على الدلال والدلع والكسل وعدم الجدية. وربما نجد ذلك حتى في أبناء الفقراء إن كان الوالدان متساهلين في غرس المسؤولية والجدية فيهم. وأحياناً بعد الأب وغيابه يمنعه من القيام بواجبه تجاه تربية ابنائه. فيقع ذلك على عاتق الأم وحدها دون مساعد، أو ربما تكون لينة معهم لحنانها الزائد. فينتج من ذلك نشأتهم على اللين والاتكال وعدم تحمل المسؤولية. ولذا حرص الإسلام على وجود الأبوين معا ومشاركتهم في تربية أبنائهم. وذلك بتشريع التعاليم التي تساعد على ترابط الأسرة وتقويتها. ومن ذلك جعل الزواج مصدر للمودة والرحمة وتشريع طاعة الزوج والإحسان إلى الزوجة وحسن العشرة بينهما وتبغيض الطلاق وكل ما يؤدي إلى تفكك الأسر. كما وجه الآباء لتأديب أبناءهم وتربيتهم على تعاليم الإسلام. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)[2]. وقال ﷺ: (مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ)[3]. وقد فرض الله نفقة الأبناء على الوالد حتى تتفرغ الأم لتربية الأبناء. قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[4]. وذلك لينشأ الأبناء تحت رعاية أبويهم بنفسية متزنة وسليمة، ويتعلموا منهما الآداب الإسلامية ومن المدرسة العلم والأخلاق. وهذا من حكمة الشارع، حيث علم أن بعد الأم وانشغالها عن الأطفال بالعمل يمكن أن يعرضهم للإهمال وربما الضياع.
[1] أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829)، وأبو داود (2928)، والترمذي (1705)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (9173)، وأحمد (5167) واللفظ له.
[2] التحريم ٦.
[3] أخرجه أبو داود (495)، وأحمد (6689) واللفظ لهما، والحاكم (708) بنحوه. وصححه الألباني.
[4] البقرة ٢٣٣.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق