التوازن بين عمل الدنيا وطلب الآخرة

    تباينت أحوال الناس في نظرتهم إلى الدنيا والآخرة؛ فمنهم من غلا في طلب الدنيا حتى شغلته عن آخرته، ومنهم من انصرف إلى العبادة وأهمل العمل والكسب حتى أصبح لا يملك قوت عامه. والحقيقة أن هدي الإسلام لا يدعو إلى هذا ولا إلى ذاك، وإنما يقيم حياة المسلم على التوازن، بحيث يكون هدفه الأول طلب الآخرة والاستعداد لها، من غير أن يترك دنياه أو يهمل عمله ويعيش فقيرًا معدمًا محتاجًا إلى الناس.وقد جاء الحث على العمل والكسب الحلال في هديه ﷺ، حيث قال: (ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ)[1].

وفي هذا حث للمسلم على السعي والعمل وكسب المال الحلال، بما يعينه على قضاء حاجاته ويقيه شر الفقر والسؤال. فالمال إذا اكتُسب من حلال واستُعمل فيما يرضي الله كان عونًا للإنسان على طاعته؛ فمنه يحصل على المسكن الذي يأويه ويحفظ فيه نفسه وأهل بيته، وعلى الثياب التي تستره، والطعام الذي يقوي بدنه، وغير ذلك من حاجات الحياة التي تعينه على الاستقرار والتفرغ للعبادة والعمل الصالح.

أما العوز فقد يضعف الإنسان ويجعله محتاجًا إلى غيره، وكما قيل: "من لا يملك قوته لا يملك قراره". ولا يعني ذلك أن يعتمد الإنسان على عمله وحده في تحصيل الرزق، فالرزق مكتوب ومقسوم من عند الله، ولكن المسلم مأمور مع ذلك بالأخذ بالأسباب، وبذل الجهد فيما ينفعه.

قال ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله. وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان)[2].

فقد أمرنا ﷺ بالحرص على ما ينفعنا، والاستعانة بالله، وترك العجز. والمؤمن يسعى ويجتهد ولا يتكل على غيره، ولا يجعل السؤال طريقًا له ما دام قادرًا على العمل والكسب، ولا ينظر إلى ما في أيدي الناس بحسد، ولا يغمطهم ما أنعم الله به عليهم، وإنما يسلك الأسباب التي جعلها الله لتحصيل الرزق.

ومن الأقوال القديمة المشهورة: "من جد وجد ومن زرع حصد". فالإنسان حين يجتهد في عمله ويثابر عليه يكتسب الخبرة، ويطور مهاراته، ويحسن أداءه. وليس في ذلك ما ينافي الإيمان بالله أو التوكل عليه؛ بل إن الأخذ بالأسباب والاجتهاد فيها من تمام التوكل.

ولذلك جاء في الحديث الشريف: (قال رجُلٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ؟ قال: اعقِلْها وتوكَّلْ)[3].

فأمر النبي ﷺ الرجل أن يأخذ بالسبب، فيربط ناقته ويحفظها من الضياع، ثم يتوكل على الله. فالتوكل الصحيح ليس ترك الأسباب وانتظار النتائج، وإنما بذل ما يستطيع الإنسان من جهد، مع اعتماد القلب على الله، واليقين بأن الأمر كله بيده سبحانه.

كما أن تقوى الله والتوكل عليه من أعظم أسباب الرزق وتيسير الأمور، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[4].

ومع الاجتهاد في العمل وطلب الرزق، ينبغي للمسلم ألا يجعل دنياه تستولي على حياته حتى تشغله عن الغاية التي خُلق من أجلها. فلا يهمل عباداته، ولا يقصر في الأعمال الصالحة والذكر وقراءة القرآن وغيرها من أبواب الخير، وإنما ينظم وقته، ويرتب أولوياته، ويوازن بين واجبات دينه ودنياه.

ومن المهم كذلك أن يراقب المسلم نيته ويجددها فيما يقوم به من أعمال الدنيا؛ فالعمل المباح يمكن أن يصبح وسيلة إلى الآخرة إذا صلحت النية. فالإنسان يعمل ليكف نفسه عن السؤال، وينفق على أهله، ويستغني بالحلال عن الحرام، ويقوى على طاعة الله، وينفع غيره بما أعطاه الله من علم أو مال أو قدرة. وبهذا لا تصبح الدنيا منافسة للآخرة، وإنما تصبح وسيلة تعينه عليها.

فالتوازن الذي يدعو إليه الإسلام لا يعني تقسيم حياة الإنسان إلى جزء للدنيا وجزء للآخرة، وكأنهما طريقان متعارضان؛ وإنما يعني أن يعيش المسلم دنياه وهو يستحضر آخرته، وأن يجعل ما يستطيع من شؤون حياته طريقًا إلى مرضاة الله. فيعمل ويكسب ويبني ويتعلم ويطور مهاراته، وفي الوقت نفسه يحافظ على صلاته وعبادته وذكره وأعماله الصالحة، ويعلم أن الدنيا مهما طالت فهي دار عمل، وأن الآخرة هي دار القرار.

ولو تمسك المسلمون بهذه الأصول، وجمعوا بين قوة الإيمان وحسن العمل والأخذ بالأسباب، لكانوا أقدر على بناء مجتمعات قوية، ومواجهة المصاعب والابتلاءات والاعتداءات التي تحيط بهم.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[5].

وقد شهد تاريخ المسلمين عصورًا ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية، وجمع المسلمون فيها بين قوة الإيمان والعلم والعمل والعمران. فلم يفهموا الزهد على أنه تعطيل للدنيا، ولا التوكل على أنه ترك للأسباب، وإنما عمّروا بلادهم، ونمّوا مواردهم، وحصّنوا مجتمعاتهم، وطلبوا العلم، وبرعوا في ميادين كثيرة، مع بقاء الآخرة هي الغاية الكبرى التي توجه أعمالهم.

ومن هنا فإن المسلم لا يُطلب منه أن يختار بين الدنيا والآخرة، وإنما أن يضع كل واحدة منهما في موضعها الصحيح: الدنيا ميدان للعمل، والآخرة هي الغاية والمصير. فيأخذ من دنياه ما يعينه على طاعة ربه، ويعمل ويجتهد ويأخذ بالأسباب، ثم يعلق قلبه بالله ويتوكل عليه، مستحضرًا قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

المراجع

[1] صحيح البخاري، رقم 2072.

[2] صحيح مسلم، رقم 2664.

[3] صحيح ابن حبان، رقم 731، وحسنه شعيب الأرناؤوط.

[4] سورة الطلاق، الآيتان 2-3.

[5] سورة النور، الآية 55.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق