تقليل فضول الكلام

الكلام من النِّعم العظيمة التي أنعم الله بها على الإنسان، وهو من العادات التي يألفها الناس ويأنسون بها في حياتهم اليومية. وحاجة الإنسان إليه تكاد تكون كحاجته إلى الطعام والشراب؛ فبه ينطق الشهادة، وبه يتعلم أمور دينه، وبه يتعامل مع الناس، ويقضي مصالحه، ويكسب رزقه الحلال، ويتفاهم مع أهل بيته، ويبيع ويشتري، ويؤجر ويستأجر، وسائر شؤون حياته.

ومع عِظَم هذه النعمة، فإن الكلام سلاح ذو حدين؛ فإما أن يكون طيبًا نافعًا يرفع صاحبه، أو يكون خبيثًا مؤذيًا يوبقه ويهلكه. وكم من كلمةٍ لا يُلقي لها الإنسان بالًا كانت سببًا في سخط الله عليه، فأوردته المهالك. قال النبي ﷺ:
(إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار، أبعد مما بين المشرق).

ومن طيب الكلام: ذكر الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ، والكلمة الحسنة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وجبر الخواطر، وحسن التعامل مع الناس.
ومن سوء الكلام: الكذب، والغيبة، والنميمة، والتنابز بالألقاب، والقذف، وشهادة الزور، وسائر ما يؤذي الناس ويوقع العداوة والبغضاء.

ولأن اللسان سريع الحركة، فإن الوقوع في آفات الكلام أمر يسير على النفس، خاصة مع كثرة الحديث وفضوله. وقد حذر النبي ﷺ من خطر اللسان تحذيرًا شديدًا، فقال:
(مَن يَضمَنْ لي ما بينَ لَحيَيه وما بينَ رِجلَيه أضمَنْ له الجَنَّةَ).
وقال ﷺ: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).

ومن أعظم أسباب الزلل إطلاق اللسان دون ضابط، والانشغال بفضول الكلام الذي لا نفع فيه، بل قد يجر صاحبه إلى الغيبة أو النميمة أو الخوض في أعراض الناس، وربما إلى الكذب والبهتان. ولهذا كان من الحكمة أن يقلل الإنسان من فضول الكلام، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها.

فينبغي للمسلم إذا أراد أن يتكلم أن يعرض كلامه على ميزان الشرع: هل هو خيرٌ فيقوله، أم شرٌ فيجتنبه؟ وليجعل لسانه عامرًا بالذكر، والكلمة الطيبة، والعلم النافع، وكل ما يقربه إلى الله ويصلح علاقته بالناس.

وهذا هو هدي النبي ﷺ حيث قال:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت).

وقال تعالى:
(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

فلنحرص على حفظ ألسنتنا، وتقليل فضول كلامنا، ولنجعل كلماتنا نورًا لنا لا علينا، وسببًا في رفعة درجاتنا لا في هلاكنا.
ونسأل الله تعالى أن يقينا شر ألسنتنا، وأن يوفقنا للطيب من القول والعمل.

[1] أخرجه البخاري في: ٨١ كتاب الرقاق: ٢٣ باب حفظ اللسان.
[2] أخرجه البخاري (6474)، والترمذي (2408)، وأحمد (22823) باختلاف يسير.
[3] أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
[4] سورة ق: 18.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق