فهل لنا من عودة؟

لقد حرص الإسلام على نشر المحبة والإخاء بين المسلمين وإصلاح ذات البين. وحرم عليهم قتل المسلم، وجعله كبيرة من كبائر الذنوب. قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[1]. وفي هذا دلالة على قيمة الإنسان ومكانته السامية، والحرص على حفظ النفس التي كرمها الله تعالى وأودعها في الإنسان. ولم يكتف بتحريم القتل، بل حرم قتال المسلم، وجعله ذنب يدخل النار. قال ﷺ: (إذا الْتقى المسلمان بسيفَيهما، فقتل أحدُهما صاحبَه، فالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ قيل: يا رسولَ اللهِ هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ؟ قال: إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه)[2]. قال الشيخ بن باز رحمه الله: "فالمسلمان إذا التقوا ظلمًا، وعدوانًا هذا وعيدهم، أما إذا التقوا بشبهة، ولأمر مشروع، كما يقوم أهل العدل في قتال أهل البغي، فهؤلاء الذين قاموا بإزالة البغي محسنون، ومقتولهم شهيد، ويرجى له الخير"[3]. وبذا يتبين من النصوص حرص الإسلام على وحدة المسلمين وإصلاح ذات البين والتنفير من الفرقة والشتات. وبرغم ذلك نجد المسلمين يقاتلون بعضهم البعض وتركوا هذه التوجيهات الربانية. وهذه من أشد الفتن التي حلت بهم وأضعفتهم وفككت دولتهم. وقد حذرنا الله تعالى من ذلك، حيث قال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[4]. فبين سبحانه أن النزاع سبب للفشل وذهاب القوة. ولذا حضنا على اصلاح ذات البين وعدم التباغض والحسد والتدابر. قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[5]. وقال ﷺ: (لا تحاسَدُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا، المسلِمُ أخُو المسلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ، دمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ)[6]. ولذا كان حرياً بنا كأمة مسلمة أن نزيل التباغض ونترك طلب الدنيا والالتفات إلى ما هو أهم وأبقى. فالدنيا تزول بزوال المرء، وأما ظلمه لأخيه أو قتله فلا ينتهي بموته، بل يبدأ به عذاب مرير في القبر والآخرة. وزوال ما كان يقاتل لأجله ونهايته. وقد عصفت المصائب بالمسلمين من كل جهة، ولم يأخذوا من التفكك إلا الشتات والضعف والفقر والمرض. فهل لنا من عودة ... وهل يمكن نسيان ما كان والبدء من جديد؟؟

[1] النساء ٩٣.

[2] أخرجه البخاري (31)، ومسلم (2888)، والنسائي (4121)، وابن حبان (2459)، واللفظ لهم.

[3] معنى حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما»، موقع الشيخ بن باز.

[4] الأنفال ٤٦.

[5] الأنفال ١.

[6] أخرجه البخاري (6064) مختصراً، ومسلم (2564) باختلاف يسير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق