نعيش في زمن تكاثرت فيه الفتن، واشتدت فيه المحن، حتى صار المتمسك بدينه كالقابض على الجمر. نرى ما أخبر به النبي ﷺ يتحقق أمام أعيننا، من اضطراب الأحوال، وكثرة الهرج، وتسارع الأحداث… وكأن القلوب تستشعر قرب النهاية، ولا يعلم موعدها إلا الله.
وفي خضم هذه الفتن، يبقى في قلب المؤمن شعوران عظيمان: الخوف والرجاء. فلا يكاد ينفك عنهما، بل يسير إلى الله بهما معًا، متوازنًا بينهما، لا يغلب أحدهما على الآخر غلبة تفسد سيره.
فالخوف من الله شعور يلازم المؤمن، مهما بلغ من الصلاح والعمل. يخاف من التقصير، ويخشى عدم القبول، ويرى أن أعماله مهما كثرت لا تبلغه النجاة إلا برحمة الله. وهذا الخوف ليس ضعفًا، بل هو قوة تدفعه إلى الاستقامة، وتحمله على مجاهدة النفس، والصبر على الطاعة، والبعد عن المعصية.
وقد دلّت نصوص الكتاب والسنة على هذا المعنى دلالة واضحة، فالمؤمن حين يقرأ ما أعدّه الله للعاصين من عذاب في القبر والنار، لا يملك إلا أن يخاف، وأن يراجع نفسه، وأن يسعى للنجاة. ومع ذلك، يعلم يقينًا أن عمله وحده لا ينجيه، كما قال النبي ﷺ:
(لن يدخل أحدًا عمله الجنة… إلا أن يتغمدني الله برحمة منه)[1].
ومن هنا يتبين أن الخوف الصحيح لا يقود إلى اليأس، بل يدفع إلى العمل، ويورث الانكسار بين يدي الله، ويجعل العبد دائم اللجوء إليه.
وفي المقابل، يأتي الرجاء ليملأ القلب أملاً ورحمة. فالعبد يرجو مغفرة الله، ويطمع في جنته، ويحسن الظن بربه، مهما عظمت ذنوبه. وقد فتح الله باب الرجاء واسعًا، وجعل رحمته سابقة لغضبه، فقال سبحانه:
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2].
فالرجاء يمنح المؤمن طمأنينة، ويمنعه من القنوط، ويعيده إلى الطريق كلما زلّ أو ضعف. وهو ليس تمنيًا فارغًا، بل رجاء يصاحبه عمل، وسعي، وتوبة صادقة.
وقد جاء في الحديث القدسي ما يفتح أبواب الأمل لكل مذنب، قال ﷺ:
(قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي…)[3].
ولهذا كان السلف الصالح يجمعون بين الخوف والرجاء، ويرون أن كمال العبودية لا يتحقق إلا بهما معًا. فمن غلب الخوف وحده وقع في اليأس، ومن غلب الرجاء وحده وقع في الأمن من مكر الله، وكلاهما انحراف عن الصراط المستقيم.
والأكمل أن يكون المؤمن:
خائفًا في حال صحته وقوته، ليحمله ذلك على العمل والاجتهاد
راجيًا عند مرضه واقتراب أجله، ليحسن ظنه بربه ويلقى الله بقلب مطمئن
ومن أعظم ما يجمع بين الخوف والرجاء الدعاء، فهو صلة العبد بربه، وملجؤه في الشدة والرخاء. يدعو ربه خوفًا من عقابه، ورجاءً في رحمته، فيجتمع في قلبه الشعوران في أصدق صورة. قال النبي ﷺ:
(الدعاء مخ العبادة)[4].
فالدعاء غذاء القلوب، وأمان الخائفين، وطريق الراجين. به يثبت المؤمن في زمن الفتن، وبه ينجو من مضلات الشهوات والشبهات.
وعلى المسلم أن يلازم هذا الباب، وأن يقف بين يدي الله منكسِرًا، معترفًا بضعفه، غير معتمد على عمله، ولا مغترًّا بنفسه، بل متعلقًا برحمة الله وحدها، مجاهدًا نفسه في كل يوم.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[5].
فمن جمع بين الخوف والرجاء، وسار بهما إلى الله، كان على طريق النجاة بإذن الله.
نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا خاشعة، ترجوه وتخافه، وأن يجعلنا ممن يدعونه خوفًا وطمعًا، ويختم لنا برحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تعالى أعلم.
الحواشي:
[1] أخرجه البخاري (6464)، ومسلم (2818).
[2] سورة الأعراف: 56.
[3] حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرجه الترمذي (3540) وأحمد (13493)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (3382).
[4] رواه الترمذي (3371)، وصححه محمد جار الله الصعدي في النوافح العطرة.
[5] سورة العنكبوت: 69.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق