فتنة الأبناء والأزواج

تُعدّ فتنة الأبناء والأزواج من أعظم الفتن التي يبتلى بها الإنسان في حياته؛ وذلك لما جعل الله في القلوب من محبةٍ عظيمة لهم، محبةٍ فطرية لا تنقطع، ولا تزول مع التقصير أو البعد، بل تبقى ملازمة للقلب في جميع أحواله. وهذه المحبة في أصلها نعمة عظيمة، لكنها قد تتحول إلى فتنة إذا تجاوزت حدود الشرع، وقدّمها الإنسان على طاعة الله.

وكم من إنسانٍ لم تجرّه شهوته إلى الحرام، ولكن جرّه إليها خوفه على أبنائه أو حرصه على إرضاء زوجه.

فليست الفتنة في الأبناء ولا في الأزواج بذاتهم، وإنما في تعلّق القلب بهم تعلّقًا يدفع صاحبه إلى معصية الله أو التفريط في أوامره. ولهذا قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾[1]،
أي: قد يكونون سببًا في انحراف الإنسان إن استجاب لهم في الحرام أو قدّم رضاهم على رضا الله.

ومن صور هذه الفتنة أن يدفع حب الأبناء بعض الناس إلى الوقوع في المحرمات؛ فيكسب المال من حرام ليؤمّن لهم ما يريدون، أو يظلم غيره لأجلهم، أو يفرّط في واجب من واجبات الدين بحجة رعايتهم. وربما حملته شدة التعلّق بهم على القلق المفرط على أرزاقهم ومستقبلهم، حتى ينسى أن الله هو الرزاق المتكفّل بعباده.

وكذلك قد يقع بعض الآباء أو الأمهات في الظلم بدافع المحبة، فيكذب أو يجور لينصر أبناءه، أو يرضخ لطلباتهم المحرّمة طلبًا لرضاهم، فيضعف أمام ضغط العاطفة ويغفل عن حدود الله.

ومثل ذلك فتنة الأزواج، إذ قد يكون أحد الزوجين سببًا في انحراف الآخر إن دعاه إلى الحرام أو زيّنه له. فقد تدفع بعض الزوجات أزواجهن إلى الكسب المحرم طلبًا للترف، أو توقعه في الظلم والجور، وقد يدفع بعض الأزواج زوجاتهم إلى التبرج أو الاختلاط أو التفريط في الدين. وكل ذلك من صور الفتنة التي تنشأ حين تُقدَّم محبة البشر على طاعة الله.

ومع ذلك، فإن الأبناء والأزواج في حقيقتهم نعمة من أعظم نعم الله، وقرة عين لعباده، وإنما تكون الفتنة في سوء التعامل مع هذه النعمة، أو في ضعف القلب أمامها.

وقد بيّن النبي ﷺ ما يكفّر هذه الفتن ويقي منها، فقال:
«فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[2].

كما أرشد ﷺ إلى التعامل مع المنكر وعدم الاستسلام له، فقال:
«من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[3].

فالعلاج يكون بتقوية الصلة بالله، والإكثار من العبادات، ومجاهدة النفس على الثبات عند حدود الشرع.

ومن أعظم ما يعين على السلامة من هذه الفتنة:

  • تقوية الإيمان ومراقبة الله في السر والعلن

  • التزام الحلال والرضا به ولو قلّ

  • عدم الانقياد وراء العاطفة إذا خالفت الشرع

  • الإكثار من الأذكار وقراءة القرآن

  • تربية الأبناء والأهل على طاعة الله بدل مجاراتهم في الخطأ

كما ينبغي للمسلم أن يوقن أن الأرزاق بيد الله، وأنه سبحانه تكفّل بها، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾[4].

ومن أعظم ما يخفف من تعلّق القلب المذموم: تذكّر حقيقة الدنيا وقِصرها، وأن الجميع ماضٍ إلى الله، كما قال تعالى:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[5].

فإذا استحضر الإنسان هذا المعنى، علم أن واجبه هو أن يأخذ بالأسباب المشروعة، ويبذل ما يستطيع في رعاية أهله وتوجيههم، دون أن يتجاوز حدود الله، ثم يسلّم الأمر بعد ذلك لله، متوكلًا عليه، راجيًا حفظه لهم.

فعلى المسلم أن يجتهد في إصلاح نفسه وأهله، وأن يجعل بيته قائمًا على طاعة الله وذكره، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[6].

فذلك هو أعظم ما يقدّمه الإنسان لأبنائه وزوجه: أن يدلّهم على الله، ويعينهم على طاعته، ويحفظهم من سخطه. وما سوى ذلك فهو زائل، أما ما كان لله فهو الباقي.

فمن قدّم رضا الله سلِم، ومن قدّم غيره عليه خسر، ولو كسب الدنيا كلها.


الحواشي:

[1] سورة التغابن، الآية 14.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه (4/2218).
[3] أخرجه مسلم (49)، وابن ماجه (4013)، وأحمد (11460) واللفظ لهم.
[4] سورة الإسراء، الآية 31.
[5] سورة الزمر، الآية 30.
[6] سورة التحريم، الآية 6.

بقلم منال محمد أبو العزائم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق