لقد نما الفن في العصر الحديث نموًا كبيرًا في مختلف أنحاء العالم، واتسعت مجالاته، وتعددت صوره وألوانه، حتى أصبح من أبرز مظاهر الحضارة الإنسانية. والفن في ذاته ليس أمرًا جديدًا، بل هو موروث عرفته البشرية منذ القدم، ولو كان في صورته الفطرية المتمثلة في تذوق الجمال وتقديره. إلا أن الجديد هو اتساع مجالاته، وكثرة صوره، وظهور أنواع متعددة منه في العقود الأخيرة.
والفن هبة أودعها الله تعالى في بعض عباده، وهو مظهر من مظاهر الإبداع الذي بثه سبحانه في الكون، وبه تتجمل الأرض وتتجلى آثار القدرة الإلهية في خلقه. فما أبدعه الإنسان وصنعه بيديه ما كان ليبدعه لولا ما منحه الله من عقل، وموهبة، وقدرة على الإبداع والابتكار، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[1]. وقد أبدع أصحاب المواهب في مجالات شتى، فخلفوا آثارًا معمارية خالدة، وزخارف بديعة، ومؤلفات أدبية راقية، وقصائد شعرية سلبت ألباب محبي الأدب، وغير ذلك من صور الإبداع التي أضفت على الحياة جمالًا ورقيًا.
والفن قائم على الجمال، والجمال محبوب إلى النفوس، إذ يجد الإنسان فيه راحة وسرورًا وانشراحًا. وقد قال ﷺ: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ»[2]. والجمال يرفع من قيمة كثير من الأشياء والأماكن، ويؤثر في اختيارات الناس وميولهم. فالسلع المتقنة الجميلة تكون أكثر إقبالًا، والمدن ذات التخطيط الحسن والحدائق الجميلة يقصدها الناس للسكن أو الزيارة، كما يلجأ كثير من الناس إلى الأماكن الطبيعية الخلابة طلبًا للراحة وتجديد النشاط النفسي. ولا يخفى أن الجمال يؤثر في كثير من جوانب الحياة الاجتماعية، ولذلك أصبح بعض الناس يبالغ في الاهتمام بالمظهر، حتى وصل الأمر إلى الإفراط في عمليات التجميل وإنفاق الأموال الطائلة في سبيلها.
وقد تنوعت الفنون في العصر الحديث، وأثرت الساحة الإنسانية في مختلف المجالات. فمنها الفن التشكيلي، وفنون العمارة، والزخرفة، والتصميم، والأدب الراقي من شعر ونثر وسرد متقن، وغيرها من صور الإبداع التي تستحق بحق أن تسمى فنًا. وكم خرج من بين أيدي الموهوبين أعمال مبدعة أبهرت العقول، وأثرت في النفوس، وارتقت بالذوق الإنساني، فذلك هو الفن الذي يمس شغاف القلوب، ويسمو بالوجدان، ويرتقي بفكر الإنسان ومشاعره.
ويدخل في الفن كذلك فنون العمارة، والتصميم الداخلي والخارجي، والزخرفة، ورسم غير ذوات الأرواح، وغيرها من الفنون التي تسهم في تجميل البيئة وتحسين حياة الناس. فبها تُزين المباني، ويُتقن تصميمها، وتُختار الألوان المتناسقة لها، وتُنشأ الجسور، والحدائق العامة، والمتنزهات، فيكسو الجمال العمران، وتكتسب المدن مظهرًا يبعث على الراحة والسرور. وهذه الأعمال تعد من صور عمارة الأرض التي استخلف الله الإنسان فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[3]. ولولا هذه اللمسات الجمالية المباحة لتحولت المدن إلى كتل جامدة من المباني المتشابهة، ولغابت كثير من مظاهر الجمال التي تبهج النفوس.
ولما كان مصطلح الفن يطلق على أنواع متعددة من الأنشطة، فإنه لا يصح أن يصدر عليه حكم واحد يشمل جميع صوره، بل يختلف حكمه باختلاف مضمونه، ووسائله، وآثاره. فما اشتمل على محرم، أو كان وسيلة إليه، أو أعان عليه، فهو محرم. ومن ذلك الغناء الماجن، والتمثيل المشتمل على المحرمات، ورسم ذوات الأرواح، ونحت التماثيل المجسمة للأحياء، والموسيقى، والرقص، وكل ما يدعو إلى الفاحشة، أو يروج للهوى، أو يصد عن ذكر الله تعالى.
وفي المقابل، هناك صور من الفنون المباحة التي تخلو من المحرمات، ويمكن أن تكون وسيلة نافعة في التعليم، والدعوة، وتنمية الذوق، وخدمة المجتمع، متى التزمت بالضوابط الشرعية. وليس المقصود حصر الفنون المباحة في هذه الأمثلة، وإنما ذكرت على سبيل التمثيل؛ فكل فن خلا من المحرمات، وحقق مصلحة مشروعة، فهو داخل في دائرة الإباحة. ومن أمثلة ذلك نظم الشعر الهادف، وكتابة النثر والمؤلفات النافعة، وفنون العمارة، والزخرفة، والنحت على الجدران، ورسم غير ذوات الأرواح، ونحو ذلك.
وجاء في فتوى منشورة على موقع الشبكة الإسلامية: "العمل في مجال الفن محرم، إلا إذا استطاع أن يتجنب في عمله المحرمات، فإن كان غناء فيجتنب الموسيقى بكل أنواعها وكذا الكلام الفاحش، وإن كان تمثيلًا فيجتنب مخالطة النساء والكذب وتضليل الأمة والموسيقى، وغير ذلك من المحرمات." كما جاء فيها أيضًا: "أن كل ما يؤدي إلى الحرام من الوسائل أو يعين عليه محرم شرعًا، وما أُمِن وقوع صاحبه أو مستخدمه في الحرام فهو مباح."[4]
نماذج من الفنون المباحة في الحضارة الإسلامية
شهدت الحضارة الإسلامية ازدهارًا في عدد من الفنون المباحة، فتميزت بالجمع بين الإتقان، والجمال، والالتزام بالقيم الشرعية. ولم يكن اهتمام المسلمين بالفنون مقصورًا على جانب الزينة، بل امتد إلى كل ما يسهم في عمارة الأرض وخدمة الدين والعلم والإنسان. فازدهرت العمارة الإسلامية، والخط العربي، والزخرفة الهندسية والنباتية، وصناعة المصاحف، والأدب، والشعر، وغيرها من الفنون التي خلت من المحظورات الشرعية، ولا يزال كثير من آثارها شاهدًا على رقي الحضارة الإسلامية وإبداعها.
وليس معيار الحكم على الفنون في الإسلام اسم الفن أو شيوعه، وإنما مضمونه، ووسائله، وآثاره، ومدى موافقته لأحكام الشريعة ومقاصدها.
ومن خلال ذلك يتبين أن الإسلام لا يعادي الفن لذاته، ولا يحارب الجمال، وإنما يهذب الفنون ويوجهها الوجهة الصحيحة، حتى تكون وسيلة للبناء والإصلاح، لا للهدم والإفساد. فكل فن يحقق مصلحة معتبرة، ويجمل الحياة، ويرتقي بالذوق، ويخدم الإنسان، مع التزامه بأحكام الشريعة، فهو داخل في دائرة المباح، بل قد يكون محمودًا إذا قصد به وجه الله تعالى وخدمة عباده. أما الفن الذي يقوم على نشر الرذيلة، أو إثارة الشهوات، أو مخالفة أوامر الله تعالى، فإنه يفقد قيمته مهما بلغت درجة الإبداع فيه؛ لأن الجمال الحقيقي هو ما اجتمع فيه جمال الصورة، وصلاح المقصد، وتحقق به الخير في الدنيا والآخرة.
المراجع
[1] الصافات: 96.
[2] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (91).
[3] البقرة: 30.
[4] العمل بمجال الفن محفوف بالمخاطر، الشبكة الإسلامية، فتوى رقم (30809).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق