إحذر من خُصومك أن يُهلكوك

كثيرا من الناس يتعرض للظلم من الغير أو كسر الخاطر ونحوه مما يؤدي إلى تولد حزن وغضب للنفس. وكبت ذلك دون تفريغ قد يؤدي إلى حقد دفين، ينمو مع الوقت فييبس ويتحجر حتى يصير كالورم الخبيث الذي تصعب إزالته دون أن يضر بصاحبه. فيبقى في القلب يغلي فيه كل حين وآخر ... وربما تزداد حميته مع الوقت حتى يخرج يوما في صورة شرسة، مثل القتل أو الضرب والأذى. فيصير الإنسان بذلك في أسوأ وضع، حيث تعرض للظلم من الظالم، ثم ظلم هو نفسه بأذاه لمن ظلمه. وبذلك يكون هو الخسران في الدنيا والأخرة، ويكون أهلك نفسه بيد أعدائه. ويكون من ألحق به الظلم في وضع احسن منه. وكل ذلك من كبت الألم ودفن الحقد دون علاج. فيتضرر ضررا بليغاً، حيث يكون مظلوماً ولكن مع ذلك ينال العقاب، كأن يُزج به في السجن أو يتعرض للتعنيف والعداوة من الآخرين.

وقد أرشدنا النبي ﷺ لعدة أمور تساعد في التخلص من تلك المشاعر المؤلمة دون أذى. ومن أهمها كظم الغيظ، حيث قال: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه؛ دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق (يوم القيامة) حتى يخيره من الحور العين ما شاء)[1]. وقال الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[2]. وكظم الغيظ يحتاج تحكم بالنفس والمشاعر السلبية، وهذه هي القوة المعنوية. وقد بين ذلك النبي ﷺ، حين قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)[3]. أي يتحكم في نفسه عند الغضب.

والغضب شعور يمر به كل إنسان، ولكن ديننا الحنيف علمنا كيف نتحكم فيه، حتى لا يخرج عن السيطرة ويوقع صاحبه في كبائر الذنوب. ولذا نهانا النبي ﷺ عنه وعلمنا طرق للتخلص منه، حيث قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)[4].

والمتأمل لما ينشر من جرائم في الأخبار يجد أن أكثرها راجع للغضب. وذلك لأنه يعمي صاحبه ويحجبه عن التريث والتفكير بحكمة. فيرتكب الكبائر من قتل وضرب. ثم بعد أن تهدأ نفسه يصيبه الحسرة والندم على ما كان منه. ولذا حذر النبي ﷺ منه حيث جاء في الحديث: (أن رجلا قال: يا رسول الله قل لي قولا وأقلل لعلي أعيه قال لا تغضب. فأعاد عليه مرارا، كل ذلك يقول: لا تغضب)[5]. والغضب يذكرنا بالخمر، حيث هي أم الكبائر لأنها تغِّيب عقل صاحبها فيقع في الذنوب والكبائر. وكذلك الغضب يغيب فكر صاحبه، فيوقعه في الإقدام على أمور لا يقوم بها عادة في هدوئه. وكأنه يطمث عقله ويجره الشيطان عند الغضب لما يريد منه.

ومن أساليب التحكم في ضبط النفس أيضاً العفو. فهو خلق رفيع تميزت به هذه الأمة. وقد أمرنا الله تعالى به في القرآن الكريم، حيث قال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[6]. فالله يعفو عمن يعفو عن الناس. وأفضل العفو هو العفو عند المقدرة. لأن من يقدر على الانتقام ليس كم لا يقدر. فمن لا يقدر لا يستطيع حيلة سوى العفو أو السكوت، وأما من يقدر فيستطع أن ينتقم لنفسه ويأخذ بثأره، ولكنه عفا واختار ما عند الله من جزاء، لإيمانه بأنه خير له من الانتقام. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)[7].

وقد وجه الله تعالى المؤمنين بالتزام الصبر، ووعدهم بالأجر الوفي والثواب في الآخرة. وقال: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[8]. قال مجاهد "فهاجروا واعتزلوا الأوثان"[9]. وفي هذا توجيه بترك الأرض التي تتعذر فيها عبادة الله لغيرها. والصبر والاحتساب عند الله. ومن ترك سيئاً لله عوضه الله بما هو أفضل منه. قال ﷺ: (من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه)[10].

         ومن أنجع أساليب التخلص من حقد الإنسان ووغر صدره على من ظلمه الأخذ بالقصاص. ولذا سماه الله تعالى حياة، في قوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[11]. قال قتادة "جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالا وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هَمّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض؛ وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهي الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين، والله أعلم بالذي يُصلح خَلقه"[12]. حيث يشفي المظلوم غليله من ظالمه. وليس ذلك بعيب وإن كان العفو هو الأفضل له في الأخرة. ودليل ذلك دعاءه ﷺ: (اللَّهمَّ متِّعني بسَمعي وبصَري واجعَلهما الوارِثَ منِّي ، وانصُرني علَى من يَظلمُني ، وخذ منهُ بثَأري)[13]. غير أن نظام القصاص أو العدل غير متاح في كل مكان، كما أن الظالم قد يفلت بظلمه بتلفيق الأكاذيب والأدلة الزائفة، التي تفلته من القصاص. ولكن من يفر من عقاب الدنيا، فعقاب الآخرة ينتظره، إلا إذا تاب وأرجع الحق لصاحبه أو استسمحه وغفر له. وعقاب الأخرة أشد وأبقى، وفيه ترد المظالم والديون. وكما الشاعر:

"أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ * * * وَلا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ

إِلى الديّانِ يَومُ الدينِ نَمضي * * * وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصومُ"[14].

         صدق القائل، عند الله تجتمع الخصوم، وتصفى الحسابات، وتسدد الديون، وترد الحقوق إلى أصحابها. ولكن لا ترد بدرهم ولا دينا، بل بالحسنات والسيئات. وذلك رد أغلى بكثير من العرض الأصلي. فليتق الله كل مسلم، ولا يظلم أو يأكل مال غيره أو يسبب الأذى لإخوانه. فالأجل قريب والامتحان عسير والأمل قصير. نسأل الله تعالى أن يرضي عنا خصومنا يوم القيامة ويرحمنا في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[1] حسن لغيره، قاله الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٣) وأخرجه أبو داود (4777)، والترمذي (2493)، وابن ماجه (4186)، وأحمد (15637) باختلاف يسير.

[2] آل عمران ١٣٤.

[3] أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).

[4] أخرجه أبو داود (4782)، وأحمد (21386)، وصححه الألباني.

[5] صححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٨). وأخرجه أحمد (15964)، وابن أبي شيبة (25380)، وهناد بن السري في ((الزهد)) (2/ 607) واللفظ لهم جميعا.

[6] النور ٢٢.

[7] الشورى ٣٧.

[8] الزمر ١٠.

[9] تفسير الطبري، سورة الزمر، آية ١٠.

[10] صححه الألباني في حجاب المرأة (٤٩).

[11] البقرة ١٧٩.

[12] تفسير الطبري، سورة البقرة، آية ١٧٩.

[13] حسنه الألباني. وأخرجه الترمذي (3604) واللفظ له، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (650)، والبزار (8003).

[14] موقع ديوان. والقول نسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهناك من قال خلاف ذلك. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ