ظاهرة تعمد إشعال الحرائق

لقد كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة انتشار الحرائق في الغابات والمزارع وحتى المدن. والحرائق موجودة منذ القدم، ولكنها لم تكن تحدث بكثرة وفي أماكن متقاربة. كما أنها ندر ما يشعلها شخص بتعمد. وأما الآن ما جدفيها هو قيام افراد وجهات مرتزقة أو حاقدة من إشعالها عمداً. وتختلف الأسباب والدوافع، إلا أن معظمها يصب في شيء واحد وهو تعمد إيذاء الناس بالحرق وتدمير ممتلكاتهم وإهلاك مزارعهم وحيواناتهم. إما بدوافع حربية لأذى الناس وحرقهم وتعذيبهم أو لأجل انتقام وخلافه.

ومهما كانت الأسباب لابد وأنه فعل شنيع وفيه أذى كبير. وقد نهى النبي ﷺ عن أذى المسلمين، حيث قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)[1]. وقال: (لا ضرر ولا ضرار)[2]. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[3]. وحرم الله تعالى التعذيب بحرق النار، حيث قال ﷺ: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)[4]. وذلك لأنه من أشد صنوف العذاب والألم التي يمكن أن يحس بها الإنسان. ولذا لا ينبغي للإنسان أن يقدم عليه حتى ولو على عدو أو على حيوان أو نملة.

ومن يقدم على فعل ذلك فإنه لا يضر فرد واحد، بل يضر مجموعة كبيرة من الناس، سواء في حياتهم أو أموالهم ومنازلهم. ولذا ذنبه في ذلك وعقابه سيكون مضاعف. وذلك لأن النار تنتشر بسرعة كبيرة وتأكل الأخضر واليابس، ويمكن أن تمحو قرى بأكملها في غضون ساعات. كما أنها لا تفرق بين حي وجماد، ولا شجر ولا حيوان. وحرق النبات يضر بالمحاصيل التي تأخذ وقت طويل وجهد كبير في زراعتها وريها والعناية بها حتى تثمر، وينتج منه اتلاف طعام الناس جميعاً. ونفس المنطق ينطبق على حرق الحيوانات، لأنها مصدر لإنتاج اللحوم والألبان ومنتجاتها. فإذن ضرر الحرائق لا يقتصر على المتضررين فحسب، بل على من يعيش في القرى والمدن أيضاً، ويؤدي إلى قلة توفر الطعام وما يتبعه من ارتفاع الأسعار وتخريب اقتصاد البلاد.

وهناك من الناس الجاني المستهتر الذي يشعل النيران فقط للتسلية، غير عابئاً بما يسببه للناس ولا مكترث بأضرارهم. وربما يقوم بذلك شلة من الصبيان لأجل اللعب واللهو فيتسبب في خسائر كبيرة. ولذا على الآباء توعية أبنائهم بشرور هذا الفعل ومدى خطورته على الناس، وأن النار ليست وسيلة للعب وخطرها أكبر من خطر أي لعبة أخرى.

والجدير بالذكر، أن بعض الحرائق التي نشأت في بلدان عديدة مؤخراً لم تكن طبيعية؛ فقد رصدت كاميرات المراقبة مجرمون قاموا بإشعالها. ويبدو من المقاطع المنشورة أنهم قاصدين فعلهم وأنهم معينون من جهات أخرى لفعلهم ذلك، لما يظهر من احترافية في طريقتهم واستعمالهم لمعدات وسيارات ليست رخيصة للقيام بذلك. وربما كان هدف من أرسلهم هو إضعاف القوة لبلد معين، باستعمال الحرائق كوسيلة حرب. وهذا جبن وظلم كبير وعدم التزام بالقوانين الدولية ولا الأخلاق والعرف، ناهيك عن الناحية التشريعية. فالنار لا تصلح كسلاح للحرب ولا يستعملها إلا جبان ومجرم حرب. ولم يرد في السيرة أن النبي ﷺ قد استعملها كسلاح في حرب ضد اعدائه، رغم مرور المسلمين بأوقات صعبة في الغزوات. ولو كان هذا فعل مشروع لكان أسهل عليه وعلى الصحابة بأن يشعلوا النيران في خيام عدوهم، ولكنه ﷺ ذو أخلاق عالية ورحمة ولا يستعمل طرق إجرامية في قتال عدوه.

وهناك أسباب أخرى لنشوب الحرائق التي قد تكبر. فبعضها ينشأ بشكل طبيعي بسبب العوامل الحرارية والبيئية. وهذا يكون عادة في المناطق القابلة لحدوث ذلك، حيث يكون هناك حشائش جافة ورياح وحرارة مرتفعة. ويتسبب البرق في بعض منها.

وهناك حرائق الغابات التي تشتعل سنوياً عادة بعوامل طبيعية. ومن أمثلتها حرائق واليتي كالفورنيا وواشنطن السنوية، والتي أكلت النيران فيها أحياء وقرى كاملة. وقد تكرر حدوثها كل صيف تقريبا في السنوات الأخيرة، واستمرت لأسابيع أو شهور. وذلك رغم محاولة رجال الإطفاء السيطرة عليها بسيارات الإطفاء دون جدوى. واستعانوا أحياناً برش طيارات الهليكوبتر مواد خامدة للنيران للمساعدة في اخمادها. وأحيانا يقوم رجال الإطفاء بإشعال النيران عمدا في مسارات حول مناطق معينة لتحد من انتشار النيران لأنها لا تتخطى تلك الحدود عادة، فتعطي نوع من الحماية عن طريق (السيطرة على النار بالنار).

وقد لوحظ في مناطق متفرقة وجود نيران تخرج من باطن الأرض، عادة في حفر أو داخل جزوع الشجر ونحوها. وهذه ظاهرة غريبة لم ترصد في الماضي. وقد نشر السكان المحليين مقاطع لها دون توثيق عميق عن أماكن حدوثها أو شرح علمي لها.

وهناك أيضاً حرائق تنشب بسبب البشر ولكن بغير قصد، بسبب إهمال أو أخطاء يصعب تلافيها. ومن ذلك انفجار أنابيب الغاز أو خطوطه في المدن الكبيرة. وأحيانا نتيجة ماس كهربائي، أو حوادث بسبب تصرفات الأطفال أو اندفاع الحيوانات في النيران، أو انفجار شواحن الموبايل ونحوه من الحوادث. ويلاحظ سرعة اشتعالها في بيوت الخشب، بخلاف بيوت الأسمنت.

ولتفادي هذه الظاهرة على الناس زيادة الحرص في تجنب اشعال النيران إلا لحاجة ضرورية مع الالتزام بإجراءات السلامة. كما عليهم أن يتأكدوا من سلامة أنابيب الغاز وتوصيلات المواقد، وأسلاك الكهرباء وعمل التوصيلات الأرضية التي تمتص الصعقات الكهربائية من البرق. وعليهم تجنب إيقاد النيران في الخارج لاسيما، بجوار الحشائش الجافة مع وجود الرياح ... فذلك خطر. وكذلك توعية الصبيان والصغار بخطورة اللعب بالنار وأنها قد تحرقهم وتحرق كل شيء حولهم بمجرد شرار يلمس ثياب أحدهم او نحوه. وأخيرا وضع كاميرا مراقبة في مختلف الأماكن لحراسة الممتلكات وردع من تسول له نفسه بإشعال الحرائق للاستهتار أو للعمل لجهة معادية وغيره. ونشر الوعي الديني بحرمة مثل تلك الأفعال وأنها تضر جميع الناس في المنطقة وليس شخص واحد، بهدر الطعام واتلاف المحاصيل وحرق الحيوانات. وأنه لا ينبغي استخدامها في الحروب ولا المشاجرات ولا غيرها كسلاح، فلا يحرق بالنار إلا رب النار كما بين لنا نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم.


‏المراجع
:

‏- القرآن الكريم
- تخريج الأحاديث من الدرر السنية

[1] أخرجه البخاري (10)، ومسلم (40) مختصرا.

[2] حسنه النووي في الأربعين النووية (٣٢). وأخرجه الدارقطني (3/77)، والحاكم (2345) مطولا واللفظ لهما، والبيهقي (11717) مطولا باختلاف يسير.

[3] الأحزاب ١٥٨.

[4] صححه ابن حزم في صحيح الراوي (383/11). وأخرجه أبو داود (2673)، وأحمد (16034)، وأبو يعلى (1536) واللفظ لهم.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ