البدائل للتلف الزراعي والخسار

من الظواهر الحديثة ظاهرة اتلاف المزارعين للمحاصيل الزراعية. وقد كانت اسبابهم تدور في أنهم لم يستطيعوا بيعها بسعر مناسب دون أن يخسروا فيها. فأثار ذلك الدهشة والجدل عند الكثير من الناس، ولا عجب ... فقد دار تفكيرهم حول كيف تتلف هذه المحاصيل والثمار بهذا الشكل وهي طعام للإنسان والحيوان. وقد تعب المزارعون كثيرا في زراعتها وريها وحرثها ... فلم يُلقَي بكل هذا المجهود في الأرض؟ فأين ذهب الوقت والتعب وعمل البكور؟ وأين ذهب الانتظار والرعاية التي رعاها لتلك الأشجار حتى أثمرت؟ وأين الأمل والفرح الذي كان ينتظره؟ بل هذه كلها معان وأحاسيس عاشها وأيام قضاها ... فهل يلقي بها ويتم إتلافها بمجرد أنها لن تجلب له السعر الذي يناسبه؟

وحتى إن أتت بثمن بخس أليس كان بيعها أو جزء منها أفضل من لا شيء؟ على الأقل ليجمع المزارع مبلغاً ليُمشِّي به حاله ويبدأ زراعة الموسم القادم أو يبدأ مشروعاً آخر، كزراعة أنواع أخرى من المحاصيل أو التغيير لرعي المواشي وإطعامها تلك الثمار؟ أو ربما استثمارها في التعبئة والتصنيع، كصنع المشروبات والأطعمة المحفوظة؟ أو حتى في صناعة الثياب والورق والصحون وغيرها.

وربما لو أن المزارع فكر واستشار من حوله أو بحث في الإنترنت لوجد أفكاراً كثيرة وصناعات تمكنه من الإستفادة من ذلك المحصول وتكون أفضل له من إتلافه. بل إن أحيانا تنتج تلك الصناعات دخلا أكبر من بيع المحصول نفسه. ولذا تجد كثير من المزارع الكبرى تمتلك مصانعا لتعبئة العصائر والفواكه المثلجة. وبعضهم يقوم بمعاملتها بالخل وبيعها على صورة مخللات جاهزة للمستهلك. وهناك طرق الحفظ الأخرى مثل التجفيف والتمليح والتسكير والتخليل وغيرها. كل تلك طرق كان يمكن الاستفادة منها في حفظ الأطعمة والثمار ... حيث يمكن غسلها وتقطيعها وتجفيفها ونحوه.

وقد رأينا من بعض الدول المتقدمة تستفيد من كل شيء على وجه الأرض. بل وحتى ألوان النباتات تستغلها في صناعة الألوان، والألياف في صناعة الخيوط، وعصارات السيقان في صناعة المطاط ونحوها. وبعضها يمكن جمع منتجات غير الفواكه منها لها فائدة كبيرة. ومثال ذلك جمع البذور والصمغ والقطن والأزهار لصناعة العطور. وبعضهم يستفيد من جمع البذور للموسم المقبل أو حتى بيعها كبذور للمزارعين والهواة. وهناك صناعة تقطيع الأشجار والإستفادة من الأخشاب في صناعة الأثاث وبناء المنازل وغيرها.

وعلى المسلم ألا يفشِّل نفسه وييأس ويضعف ويستسلم بسهولة فيلقي بمحصوله في مهب الريح ويتسرع في إتخاذ قرارات تضيع تعبه ووقته. وليكدح ويسعى كما تسعى الشعوب لما ينفعها في الدنيا والآخرة. وقد حثنا ديننا على عدم التواكل والسعي والتقوى بالأسباب المشروعة. قال ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)[1].

وإن لم يتيسر للمزارع بيعها ولا الاستفادة منها بطرق أخرى فالأفضل التصدق بها على الناس بدلا من إتلافها إن استطاع. فهناك من الناس - مسلمين وغير مسلمين - يعانون من الجوع والفقر الشديد ... فهم أولى بها من بدلاً من إتلافها! وحتى إن لم يستطع إيصالها لهم فبإمكانه الاتصال بمنظمات خيرية لتولي أمر جمعها وتوزيعها. وفي ذلك أجر كبير له وزرع للآخرة. وقد جاء في أجر الصدقة نصوص كثيرة. فصدقته تلك سيعوضه الله عما خسر فيها في حرثه ويبارك له فيما يأتي. وقد وعد الله تعالى بذلك، حيث قال: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[2]. وقال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي)[3]. قال الطبري رحمه الله في معناها: "يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له"[4]. وقال ﷺ: (قال اللهُ: أنفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنفِقْ عليك)[5].

هذا غير أن الله تعالى ذم من يسعى في إهلاك الحرث والنسل وذكره مع بالفساد في الأرض. وذلك لأن الحرث فيه غذاء للناس ومنافع. وإهلاكه فيه تبذير وضياع للمال والطعام وضرر للأحياء. والأشجار من مخلوقات الله، فلا ينبغي هدرها وتضييعها بلا هدف. قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[6].

ولو أن كل مزارع فعله ذلك لإنعدمت المحاصيل على وجه الأرض وجاع الناس وهلكوا هم وحيواناتهم ويبست الأرض وخربت على أهلها. فليت الناس أن يقوموا بمحاربة هذه العادة الهدامة من إنتاج المحاصيل، وليحتسبوا الأجر والتعب والخسارة والإنفاق عند الله تعالى كما على المسلمين أن يحاولوا جهدهم في تطوير التقنيات الزراعية وتعلم مهاراتها ممن لهم قسب السبق في ذلك، حتى ولو كانوا من دول غربية. فالعلم بالزراعة والتقنيات الحديثة يساعد المزارعين في تلافي الخسارة وتقليل حدوثها. واسأل الله تعالى أن يخلف على المزارعين وعلى كل مسلم خسر في ماله أو زراعته أو عمله.


[1] مسلم٢٦٦٤.

[2] البقرة ٢٤٥.

[3] البقرة ٢٧٦.

[4] تفسير الطبري، سورة البقرة، آية ٢٧٦.

[5] أخرجه البخاري (5352)، ومسلم (993).

[6] البقرة 205.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ