يا صاحب الحزن الدفين 💥

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

         كل إنسان في هذه الحياة مبتلى بشكل أو بآخر. المسلم والكافر، الغني والفقير، العزيز والوضيع. الكل يشكوا ويئن، والكل مر بأحزان وأتراح. منهم من تجاوزها ومنهم من كتمها وتركها في دواخله تعذبه ... وتكبر شيئاً فشيء. فأخذه الحزن إلى مكان بعيد انتهى به في سجن الاكتئاب وتركه وحيدا منعزلا هناك، لا أنيس له ولا جليس. لا يجد من يواسيه ولا من يقف معه في محنته. فصار الألم يعتصر قلبه كل يوم ويقتله ببطيء حتى صار كالحطام ... لا حياة فيه ولا رغبة له فيها. تجده منزوياً لا يتحدث ... حوله الناس ولكنه وحيد ... موجود في وطنه ولكنه غريب. يحتاج من ينقذه ويخرجه من تلك العزلة التي حبس نفسه فيها؛ ليواصل مسيرته إلى الدار الآخرة.

وإن لم يخرج سيفشل ويصير من الخاسرين يوم القيامة. وذلك لأنه أضاع وقته في الحزن بدلاً من أن يصرفه في العبادة والطاعة لله. لم يتحضر للامتحان الكبير ولم يقتحم العقبة أو يبلغ المنزلة. قال تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)[1]. فتلك هي العقبة المهمة التي عليه أن يجِّدَّ ويعمل ليتجاوزها. وعليه الإجتهاد في أمر الآخرة والخوف من الله ومن عقابه ليبلغ منازل الصالحين، بدلاً من الركون للحزن. فهو لم يقم بذلك لأنه أضاع وقته في الحزن، وحبسها لأجله عن طاعة الله. ولو أنه خرج من عزلته ووضع الحزن جانباً وساعد نفسه وأوكل أمره لله لكان حاله تحسن ورجع للحياة وإلى طاعة ربه.

ولو أن الدنيا بأسرها ضاعت منه لكان أيسر له من أن يخسر في الآخرة. لأنها ليست دار قرار ولا قيمة لها إلا ما كان فيها من عمل صالح. قال ﷺ: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا أو متعلمًا)[2]. وقال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء)[3].

وما فائدة الحزن للإنسان؟ هل سيرجع له ما ضاع منه؟ هل سيحي له عزيز مات أو يعوضه عن ماله أو عمله الذي فقده؟ هل سينتقم له ممن ظلمه وأذاه أو يرجع البسمة على شفتيه؟ هل سينفعه في الدنيا والآخرة؟ فإذا كانت الإجابة لكل ذلك لا ... فلمَ يضيِّع فيه وقته ويهدر صحته ويخرب حياته لأجله؟ وما يكسب منه غير الغم والألم وضياع العمر. ولو أنه آمن بأنه لا يحدث شيء في الأرض ولا في السماء إلا بإذن الله تعالى لسلَّم له الأمر وترك عنه الحزن والسخط على أقداره.

ولا شك أن معظم المحدثات على وجه الأرض جعل الله لها أسباب ومسببات ... ولكن في نهاية الأمر كل شيء لا يحدث إلا بإذنه تعالى، وأنه من جعل الأسباب أسباباً وجعل المحدثات تحدث. ومثال ذلك أنه جعل الدواء يشفي من المرض وجعل العمل سبباً للكسب وجعل الظلم سبباً للحزن، وهكذا. ولا يحدث ذلك إلا بإذنه وتقديره. فلو أوقع بك ظالم ظلماً، فإن الله تعالى قد سمح بحدوثه. ولا يعني ذلك أن الله أمر بالظلم أو أحله ... أو أن الظالم برئ ولن يلقى عقابه ... بل يعني أن ما يحدث في الكون لم يحدث إلا بعد أن أذن الله بوقوعه ...

ونحن ما دمنا أحياء فلا زلنا في دار الابتلاء ... وهذا هو الامتحان الذي قدره الله تعالى على بني آدم. وعلى المسلم أن يصبر على البلاء ويتقوى ويقوم ولا يستسلم ... ويواصل سيره إلى الله ويصلح عبادته ويجاهد نفسه ... ولا يشلها بحزن ولا ظلم ولا ألم. فالوقت يمر وعليه التحضير لما هو قادم ... لأنه أشد وأبقى ومن يذهب إليه لا يعود ولا رجعة منه. فليتلطف بنفسه ويحتسب عند الله كل ما خسره وضاع منه أو فقده من ولد وصحة وغيره ... وكل ضرر وألم وحزن ومرض ... وكل خيانة وظلم وبهتان وخبث أصابه من الغير. وليستبشر بما وعده الله وما أعده للصابرين من أجر ومغفرة للذنوب. قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[4]. وقال ﷺ: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)[5]. فأي مصاب يصيبه ويصبر عليه يكون سبباً في تكفير ذنوبه.

         ولذا على كل حزين أن يتجاوز حزنه ويستغفر ربه ويستعين به ليستطيع القيام ومواصلة السير. وليجرب مختلف الوسائل والأساليب التي تساعده في التغلب عليه. ولعل من أكثر الطرق نجاحاً في ذلك الحديث والمشاركة مع من يكون حوله ممن يثق به ويستأمنه على سره. فليفضفض له بما في قلبه ويخرج ذلك الحزن الدفين ... وإن شعر برغبة في البكاء فلا يتردد ... فالبكاء يخرج الحزن ويذهب الألم، الذي يصير مثل الخمج الذي يمنع برء الجرح حتى يخرج

وكذلك تأمله في الدنيا وهوانها على الله ... وأنه مهما أصابه فيها من حزن وألم فإنه زائل لا محال. وتذكره بأنه سيموت يوماً ويصير بدنه إلى التراب، وسيتوقف عندها كل ما كان يحسه من أوجاع وأحزان. وأن كل شيء ذاهب إلى فناء ... من ظلمه وولده وعمله والدنيا بأسرها. قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[6]. ولعل تفكره في كل ذلك يذهب عنه ما يجد من ألم وشدة ويساعده على تجميع أشلاء قلبه ليبدأ من جديد. وكما قال الشاعر:

"اسْكُني يا جِراحْ ... واسْكُتي يا شُجُونْ

ماتَ عَهْدُ النُّواحْ ... وزَمَانُ الجُنُونْ

وأَطَلَّ الصَّبَاحْ ... مِنْ وراءِ القُرُونْ

في فِجاجِ الرَّدى ... قَدْ دفنتُ الأَلمْ

ونثرتُ الدُّموعْ ... لرِيَاحِ العَدَمْ"[7].

فهون عليك وابتسم يا صاحب الحزن الدفين، وقم اليوم وانهض من عزلتك واخرج حزنك وادفنه تحت التراب، وامضي في طريقك ولا تلتفت إلى الوراء. فأنت في يوم جديد مليء بالأمل ومفعم بالحياة ... ما راح قد راح ... ولكن عندك ما هو قادم. فاشرح صدرك ولا تهتم ... وقل الحمد لله ... ودع عنك التراجع والخذلان. وانظر إلى آثار رحمة الله، واستبشر خيراً بكل جميل قادم.

واجتهد في عمل الآخرة القادمة ... وروح عن نفسك بالعمل والرياضة وملاقاة الناس والأهل، وما يسليك. واحمد الله على ما بقي لك من عمر ... وعلى أن قدر لك أن تكون مسلما وأن يكون لك أمل في الجنة. فشمر سواعدك للعمل لنيلها، لأنها خير لك وأبقى. وقد قال النبي ﷺ: (مَوضِعُ سَوطٍ في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها، ولَغَدوةٌ في سَبيلِ اللهِ أو رَوحةٌ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها)[8]. وقال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[9].

واسأل الله باسمه الأعظم أن يخفف عن كل حزين ويلهمه الصبر والسلوان، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

[1] البلد ١١-١٨.

[2] أبو هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما، حسن، قاله الألباني في صحيح الجامع (3414)، وأخرجه الترمذي (2322)، وابن ماجه (4112)، وابن أبي عاصم في الزهد (126) من حديث أبي هريرة باختلاف يسير، والبزار (1736)، والطبراني في الأوسط (4072) كلاهما من حديث البراء باختلاف يسير.

[3] سهل بن سعد الساعدي، إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما، قاله المنذري في الترغيب والترهيب 4/158، وأخرجه الترمذي (2320) واللفظ له، وابن ماجه (4110) مطولا باختلاف يسير.

[4] الزمر ١٠.

[5] أخرجه البخاري (5642) واللفظ له، ومسلم (2573).

[6] القصص ٨٨.

[7] الشاعر أبو القاسم الشابي، الديوان.

[8] أخرجه البخاري ٦٤١٥، مسلم ١٨٨١، مختصراً.

[9] آل عمران ١٨٥.

⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ