وفي عالم يزداد صخبًا، قد تكون الكلمة جارحة كالسهم، وقد يتحول المزاح إلى أذى خفي يُعرف بالتنمّر؛ ذلك السلوك الذي يتخفّى خلف الضحك أحيانًا، لكنه يحمل في طيّاته قسوةً تترك أثرها في القلوب قبل الوجوه. ويأخذ التنمر صورًا متعددة؛ فقد يكون لفظيًا بالكلمات الجارحة، أو نفسيًا بالإهانة والتهميش، أو جسديًا بالاعتداء. ولا يقف خطره عند لحظة وقوعه، بل يمتد أثره ليترك جروحًا عميقة في نفس الضحية، قد تستمر طويلًا.
وأهم سبب للتنمر هو الكبر والغطرسة والاستمتاع بأذى الأخرين. ومن المؤسف أن نجد في مجتمعاتنا من يمشي ويتبختر وينظر لغيره بعين الفوقية. وأحيانا لا تجده يتفوق حتى بدين ولا دنيا، ولكن لمرض في قلبه ولتصغيره للناس يفعل ذلك. وكثيرا ما سمعنا عن تنمر الطلبة على بعضهم البعض وتحقيرهم لأحدهم دون ذنب. ربما لأنه فقير أو متفوق عليهم فحسدوه لذلك أو لمحبة المعلمين له أو لحسن خلقته وخلقه. وأياً كانت الأسباب فإن ذلك لا يجوز في ديننا الذي حرم التكبر وإيذاء المسلمين التكبر عليهم. قال ﷺ: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)[1].
وقد نهى الإسلام عن السخرية والاستهزاء والسب والشتم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[2]. كما نهى عن أذى المسلم بأي شكل حتى ولو كان معنوي. قال ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)[3]. فلا يجوز سب المسلم ولا تحقيره أو إيذاءه باللسان أو اليد.
وغير السخرية والاستهزاء، يكون التنمر أحياناً في صورة تصرف مؤذي مثل عزل الطالب وتجاهله أو التجمع حوله والضحك عليه أو رميه بشيء وغيرها من التصرفات التي تسبب الأذى المعنوي أو الحسي. واي كانت صوره فإن فيه ظلم لمن يقع عليه تلك المواقف المحرجة، حيث يؤثر سلبا على نفسياته وحياته، وربما يقل تحصيله الدراسي بسبب ذلك. وعلى سبيل المثال ورد سؤال لأحد مواقع الفتوى يقول: "لم أعد أرغب بالحياة بسبب ما تعرضت له من تنمر!"[4]. ولهذه الدرجة يمكن أن يؤذي التنمر.
وكثيراً ما يلاحظ تنمر بعض الناس على الضعفاء من الفقراء والمهاجرين والنازحين في مختلف بقاع الأرض. ولا شك أن هذا يزيد عليهم الضغوط والأحزان. فهم أناس فقدوا بلادهم واضطرتهم الظروف للهجرة، فاجتمع عليهم فقد الأوطان وإيذاء المتنمرين. وهناك أيضاً التنمر على المسلمين بسبب دينهم. غير أن النوع الأكثر شيوعاً هو تنمر الطلاب المشاغبين على الطالب الملتزم، وتنمر الأخوة أو الأصحاب على صاحبهم.
وهذا تصرف لا ينبغي أن يصدر من طالب مؤدب ومسلم ملتزم بدينه. فقد حثنا ديننا على التواضع والتبسط وحسن الأدب مع الناس، وعدم التكبر عليهم أو غمطهم. وهو صفة يفتقدها كثير من الناس حتى ممن يعدون ملتزمون نسبياً. وربما نراها أكثر بين من وسع الله عليهم في العطايا والجاه؛ حيث تجدهم يأنفون من الفقراء وينظرون إليهم كأنهم أقل منهم في الإنسانية ولا يستحقون حسن المعاملة.
وعلى نفس المنوال تجد أبناء الأغنياء ينشؤون على التكبر والأنفة والتعالي. وهذا عادة يحصل ممن أفرط والديه في تدليله ولم يحسنوا تأديبه. فيظهر ذلك في سلكوه مع الطلبة الآخرين، حيث تجده يتنمر عليهم ويستهزأ بهم، غير عابئ بآداب ولا أصول.
وفي أحيان قليلة يلاحظ سلوك ينم عن شيء من الكبر والغطرسة من بعض الملتزمين. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل عدم فهمهم للدين ولسنة النبي ﷺ. فقد كان أكثر الناس تواضعاً. وحذر أمته من احتقار الناس والترفع عليهم. قال ﷺ: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس)[8]. وغمط الناس أي "احتقارهم وازدراؤهم"[9]. والله تعالى لا يحب المتفاخر من الناس. قال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)[10]. ولا تصعر خدك للناس أي: "لا تتكلم وأنت معرض"[11].
وعلى المسلم أن يكون لين الجانب مع الناس وحسن الخلق، ولا يشعرهم بأنهم أقل منه أو أنه أفضل منهم. فلا يتفاضل الناس عند الله إلا بالتقوى. وحتى لو تفضل عليهم بعلمه ومكانة وطاعته، فلا يصغرهم لأنهم أقل منه، بل يتبسط معهم. فالتواضع خلق عظيم، ينجي صاحبه ويرفعه يوم القيامة. قال ﷺ: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ثم قال: ألا أخبركم بأهل النار؟ قالوا: بلى، قال: كل عتل جواظ مستكبر)[12]. أي كل "متواضع خاضع لله تعالى، مذل نفسه له، حتى إن بعض الناس يستضعفونه ويحتقرونه، وهذا المتذلل لله تعالى لو أقسم بالله يمينا طمعا في كرم الله تعالى، لأبره الله، وحقق له ما أقسم عليه وأجاب طلبه ودعاءه. وأما أهل النار فهم كل «عتل» وهو الفظ الغليظ شديد الخصومة، أو الفاحش الذي لا ينقاد لخير، «جواظ» وهو المتكبر صاحب الجسد الضخم، المختال في مشيته، وقيل: سيئ الخلق، «مستكبر» على الناس بغير حق؛ فاستحق النار"[13].
وبعد هذا الوعيد الشديد ينبغي علينا أن نربي ابناءنا على التواضع والتلطف مع الناس. ولابد من غرس تلك القيم فيهم منذ الصغر لينشئوا عليها وتنفع التربية ويظهر أثرها. فالطفل كالعود اللين يمكن تشكيله، وإذا كبر يبس وتصلب على ما نشأ عليه.
المراجع:
- تفسير ابن كثير.
- تخريج وشرح الحديث، الدرر السنية.
- فتوى اسلام ويب.
[1] أخرجه مسلم (91) باختلاف يسير
[2] الحجرات ١١.
[3] أخرجه البخاري (10)، ومسلم (40) مختصرا.
[4] اسلام ويب، فتوى رقم 2522319.
[5] عبد الله بن عمرو، صحيح، قاله الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠)، وأخرجه أبو داود (4943)، والترمذي (1920)، وأحمد (6733) واللفظ له.
[6] أحمد شوقي، الديوان.
[7] رواه أبو أمامة الباهلي، صححه الألباني في صحيح الجامع (4213). وأخرجه الترمذي (2685)، والطبراني (8/278) (7911، 7912)، وابن شاهين في ((الترغيب في فضائل الأعمال)) (216) باختلاف يسير.
[8] مسلم ٩١.
[9] شرح الحديث في الدرر السنية.
[10] لقمان ١٨-١٩.
[11] نقله ابن كثير عن مجاهد وعكرمة وغيرهم، تفسير اين كثير، سورة لقمان، آية ١٨-١٩.
[12] أخرجه البخاري (4918)، والترمذي (2605)، وأحمد (18728) واللفظ لهم.
[13] شرح الحديث، الدرر السنية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق