الملل والنعم المنسية 🌿

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين؛ وبعد:

لقد قلت البركة في الوقت، وصارت تمر علينا الأيام سريعة ومتقاربة دون توقف. نستيقظ كل صباح لنبدأ يوماً جديد ... ولكنه ما يفتأ أن يمضي سريعاً دون تمهل. وهكذا تنتهي حياتنا شيئاً فشيء، دون أن نشعر بها. وتطرأ علينا فيها أحوال مختلفة ومتباينة، من فرح وحزن وصحة ومرض وشدة ويسر.

ومن فضل الله علينا أن أكثر أيامنا هي تلك التي تمر بهدوء ورتابة، دون أن ينغص علينا فيها مكروه. ومع ذلك تجد الكثير من الناس يتذمرون من تلك الأيام الهادئة ويصفونها بالملل، دون أن يلاحظوا أن الملل في نفسه قد يكون نعمة ولكنا نراها من زاوية ضيقة. وذلك لأن من يشعر به عادة يكون بخير وليس هناك ما يؤلمه أو يحزنه. فلديه الوقت والصحة الذين كان من الأفيد له أن يشغلهما في طاعة الله تعالى بدلاً من إضاعتهما في الضجر.

وهناك نعم أخرى ذكرها النبي ﷺ في حديثه الشريف، حيث قال: (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)[1]. فذكر ثلاث من النعم التي حرم منها الكثيرون، وهي الأمن والعافية والقوت. وكم من إنسان أصبح على حزن وكدر أو مرض وألم أو فقر وحاجة، أو مصيبة في ماله وولده. فلله الحمد على الرتابة في الأيام الهادئة مع توفر كل ما سبق فيها.

وقد صار الأمن حلم يفتقده الكثير من الشعوب اليوم. فبين النزاعات الخارجية والداخلية وتزعزع الأحوال الأمنية بات الكثير يحلمون بالعودة لأوطانهم والعيش بأمان كما كانوا. وما يمرون به هو بلاء يمتحن الله به صبرهم وإيمانهم. فهنيئا لمن صبر على تلك الابتلاءات وثبت على إيمانه حتى لقي الله عز وجل.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)[2]. وقد ذكرت الآية أنواع أخرى من البلاء غير الخوف، وهما الجوع والموت. وهما عادة مقرونان بالخوف والحروب. لأن معهما تتوقف حركة الحياة اليومية في المدن ويندر الطعام والسلع العامة من لباس ووقود وغيرها وتتوقف التجارة والصناعة والخدمات الحكومية ويتفرق أصحاب المهن والمهارات والتجار والعمال وغيرهم. فمنهم من يهاجر ومنهم من ينزح لمدن مجاورة أو يختبئ في عقر داره بعيداً عن الفتن. ويصاب الناس ببلاء شديد ووجل وتتبدل حياتهم إلى الأسواء. ولذا يعتبر الأمن الأصل للحياة المستقرة، وبدونه يتدمر كل شيء.

ومن النعم المنسية الصحة، التي لا يلاحظها الناس إلا عند مرضهم. وكم من مريض بالسرطان يتألم ويئن في سريره من شدة الوجع ولا يسمع أناته أحد. وكم من مصاب بمرض مزمن كالسكري والضغط والفشل الكلوي ... ويعاني معه الحرمان من الحياة الطيبة وراحة البال؛ وتنغص عليه الآلام راحته، وتغير الأدوية مذاق لسانه وتفقده التلذذ بالطعام والشراب، ويفارق النوم مقلتيه.

ومن النعم المنسية نعمة الذرية الصالحة، التي حرم منها الكثيرون. فالأبناء بهجة وحياة وزينة ... وغيابهم يقتل البسمة والفرح. والأطفال هم أملنا الذي يكبر معنا ونفرح بفرحهم ونحزن بحزنهم. فقد فطرنا الله تعالى على حبهم والشفقة عليهم والتفاني لأجلهم. قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[3]. ولذا على المؤمن ألا يبالغ في محبتهم حتى لا ينهار إذا فقد أحدهم، وحتى لا يصيروا فتنة له في دينه ولا يتحمل الصبر عند مرضعهم وفقدهم. بل يتذكر أنهم من نعم الله وأماناته التي قد يأخذها في أي وقت. ولو حصل ذلك فليحتسب ويصبر على ويسأل الله تعالى أن يجمعه بهم في الجنة.

ومن النعم المنسية نعمة النوم، التي تشكل مشكلة لبعض الناس. فهناك من يؤرقه الليل ولا يستطيع النوم إلا بالمسكنات. ربما لألم جسدي أو معنوي طغى عليه ومنعه الاسترخاء وراحة البال. فيقضي ليله صاحياً وهو متعب ... يحاول النوم ولا يقدر عله، وأحياناً حتى يطلع الفجر ... فيقوم متعب ومنهك من عدم النوم. ويصير النوم العميق من أمنياته التي يفقدها ... وهو شيء لا يفكر به بقية الناس أو يحسبونه نعمة، ولكنه كذلك لهذا المسكين.

ومن النعم المنسية نعمة الشَعر، ولكم من أصلع يتمنى الحصول عليه ولو خفيفاً؛ حتى لا يبدوا بشكل منفر ويعرضه للتنمر. وكذلك نعمة الرجلين، فكم من مبتور الساق تبدلت حياته من مرح وخفة إلى تقل وحزن وإعاقة. فصار لا يحسن حتى العناية بنفسه أو القيام بأمورها. ولا يقوى حتى على الذهاب لقضاء حاجته إلا بمساعدة غيره. فتنتهك خصوصيته وتنكشف وتهان أمام الغرباء وهو لا يقدر إلا ان يقبل رغم كرهه لذلك.

ومن النعم المنسية نعمة الماء الذي هو سر الحياة، ويحتاجه كل حي على وجه الأرض. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[4]. وتوفر ماء الشرب النظيف يشكل مشكلة لكثير من الناس في مختلف بقاع العالم. وكم من قرى وقبائل تعيش في الصحراء ولا تجد قطرة ماء للشرب. بينما هناك في المدن من يتنعمون بالمياه ويسرفون في استعماله ويهدرونه فيما غير حاجة. وهناك مشكلة تلوث الماء التي تجعله غير صالح للشرب. وذلك مثل تلوثه بالنفايات البترولية والعضوية من مخلفات السفن المحملة بالنفط في مختلف البقاع.

ومن النعم المنسية نعمة الطعام الصحي الذي يفتقده الكثير من الناس. ومنهم من يعيشون على القتات وحتى الجراد والنمل والطين. ومنهم من تلوث طعامه وشرابه حتى نقل لها الأمراض المعدية، من الكوليرا والجارديا وغيرها. ولقد مرت بعض البلدان بالمجاعات في مختلف الأزمان على مر التاريخ. وربما يتكرر حدوث ذلك في مجدداً بسبب الحروب والمناورات التي تزيد يوما بعد يوم. بالإضافة إلى ما يصحبها من قلة الوقود وظاهرة إتلاف المحاصيل وإشعال الحرائق وكثرة الزلازل وتقلبات المناخ، وغيرها.

ومن النعم المنسية نعمة الوقت. وهذه يفتقدها الكثير من الناس، حيث عليهم العمل المتواصل الذي لا يترك لهم وقت يرتاحون فيه أو يرفهون فيه عن أنفسهم. وهناك من يجد الوقت ولكنه لا يدرك أهميته ولا يحسن استغلاله فيضيعه في الملهيات. ولذا قال ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)[5].

وهكذا هي نعم الله المنسية لا تحصى ولا ننتبه لها إلا إذا فقدناها. فهي محيطة بنا وموجود بيننا، ولكنا لا نلاحظها أو نرى أهميتها. قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[6]. فله الحمد والمنة عليها، ونسأله تعالى أن يوفقنا لعبادته بالوجه الذي يرضيه عنا، ويجعلنا من الذاكرين الشاكرين له شكرا يليق بجلاله وعظمته. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

منال محمد أبو العزائم – ٨ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ.

[1] رواه عبيد الله بن محصن، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2346). وأخرجه الترمذي (2346) واللفظ له، وابن ماجه (4141).

[2] البقرة ١٥٥.

[3] الكهف ٤٦.

[4] الأنبياء ٣٠.

[5] البخاري 6412.

[6] النحل ١٨.



⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ