الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
لقد ورد تعليق على موضوع "مسألة قراءة القرآن دون تحريك الشفاه" من القارئ الفاضل أبو عبد الرحمن. وكان نصه كما يلي: "جزاكم الله خيرًا، واسمحوا لي بمرورٍ خفيفٍ ومجمل: هذا الكلام يخالف ما نُقِل من إجماع العلماء أنّ من حلف ألا يقرأ، فأمَرّ القراءة على قلبه دون أن يحرك لسانه وشفتيه فلا يحنث، وإجماعِهم أنّ الجنب يجوز له أن يقرأ القرآن دون تحريك لسانه وشفتيه! كما أنّ المعاجم التي تم الاعتماد عليها في المقال كلها معاصرة، وكنت أرجو لو استخرجتم لنا هذه الكلمة من المعاجم القديمة؛ فالمعاصرة لا تكفي للاحتجاج، كما أنّ ما ذكرتموه من حججٍ ليس فيه حجّةٌ تنهضُ للاستدلال،
فكلها إما احتجاجاتٌ بعُرفٍ معاصر، دون إثبات جذوره عند العرب، أو إلزاماتٌ ليس فيها لازم، كالاحتجا الدين يُسر، ولو أطلق الاحتجاج هكذا دون عنان لجاز أن نقول: هناك من لا يستطيع الصلاة قائمًا، والدين يسر، فلا نقول إنّه لا بدّ من القيام في الصلاة، ولكن نقول إنّ القيام أفضل بلا شك، لكن من صلّى جالسًا فصلاته صحيحة، ونحو ذلك من جعل الاستثناء أصلًا وإذهاب الأصول. والمسألة ينبني عليها صحة الصلاة، وصحة الأذكار، والفقهاء مختلفون: فقائلٌ منهم يقول: لا تجزء القراءة بتحريك الشفتين واللسان، بل لا بد من إسماع نفسه، وهو قول الجمهور، من الأحناف والشافعية والحنابلة، وقائلٌ منهم يقول: تجزئ القراءة بتحريك اللسان، وهو قول المالكية، وقولٌ عند الأحناف، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة، وما وجدتُ قائلًا منهم يقول إنّ القراءة بالقلب تُجزئ، أما إثبات أجرٍ لها فنعم، لكن هل لها أجر التلاوة وقراءة القرآن؟ لا، وهل تجزء المصلي والذاكر؟ لا." انتهى كلامه.تعقيبي على ذلك:
وجزاكم الله خيرا وشكراً لكم على القراءة والتعليق. هناك نقاط للرد على ما ذكرتم:
- أهمها أن المسألة هنا محددة بسؤال أخت تعاني من ضيق التنفس أعاقها عن قراءة القرآن، فكان الرد لها ولمن يجد صعوبة في ذلك وليس عن قراءة القرآن مطلقاً أو في الصلاة أو الأذكار أو غيرها، وليست لكل إنسان صحيح قادر على القراءة. وذلك استناداً على قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[1]،
- أن هجر القرآن منهي عنه وبه وعيد ولذا عليها فعل ما تستطيع حتى لا تدخل في هذا الوعيد. والسائلة هنا ذكرت أن عذرها أودى بها لهجر القرآن وهو أمر شديد وعليه عقاب، ولذا كان عليها تفاديه بقدر استطاعتها؛ وقراءتها للقرآن دون تحريك الشفاه هنا خيرا من هجرها له؛ لأنها بذلك تعذر بدليل قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)[2]. وهذا مذكور بالنص في فقرة الخلاصة بقول: "إذا كان يشق على الإنسان قراءة القرآن والذكر بتحريك الشفاه واللسان فلا بأس له من القراءة دون فعل ذلك حتى لا يتوقف عن القراءة" إنتهى.
- وذكرت في المقال أن لمثلها ممن لديه عائق أن الأفضل التلاوة بصوت وإلا بالقراءة بتحريك الشفاه دون صوت وإلا القراءة بدون تحريك الشفاه ودون صوت.
- والمسألة هنا عن قراءة القرآن وهو ليس عمل عقائدي أو ركن من الدين، بل جزئية في عمل نفل لا يخرج صاحبه من الملة إن لم يفعله لا سيما إن كان لديه عذر مثلها. والإجتهاد في الفروع لا شيء فيه للباحث ولا يمس العقائد، ولو أن كل مجتهد قال بشي لم يجمع عليه الناس يعتبر مخالف للجماعة أو لأهل السنة والجماعة لكان معظم العلماء بما فيهم الائمة الأربعة مخالفين للجماعة أيضاً! وهذا بلا شك خطأ فادح لا يقول به أحد. فالكل مجتهد والكل يؤخذ منه ويرد عليه. وليس هناك إنسان معصوم. والمجتهد له أجر اجتهاده إن صحت نيته. وجاء في الحديث: (إذا اجتَهَد فأصاب فله أجرانِ، وإن اجتَهَد فأخطَأَ فله أجرٌ)[3]. ولو ترك المجتهدون الاجتهاد ليتفادوا المخالفة لما كان هناك علم أصلاً ولما زادت وتطورت فروعه والفت فيه الكتب والمصنفات. فالكل مجتهد والكل يرنو للأجر على سعيه والنجاة من النار، ومن يسعى للآخرة يقبل الحق ويرجع إليه أينما وجده حتى ولو كان عند مخالفيه.
- المعاجم التي ذُكِرت ليس بها عيب جلي يمنع الاستشهاد بها من باب الدعم، والنقاط التي ذُكِرت ليست واهية لدرجة إهمالها. ومع ذلك لم أعتمد عليها، وذكرت أنها تساعد بعضها البعض لاسيما أنها متعددة في مجموعها وتتماشى مع المعنى اللغوي.
- والمقال لم يعمم الأمر ليشمل القراءة في الصلاة والذكر وغيرها، بل بجزئية محددة هي قراءة القران لمن يجد صعوبة تعيقه لدرجة تجعله يهجر القرآن.
- ومع ذلك ذيلت المقال بأن هذا اجتهاد منى فإن أصبت فبتوفيق الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.
ونسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم للصواب ويوفقنا لما يحب ويرضى ويقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
[1] البقرة 286.
[2] التغابن 16.
[3] صححه الشوكاني في الفتح الرباني (6/3090). وأخرجه أبو داود (3574)، وابن ماجه (2314)، وأحمد (17809) باختلاف يسير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق