أردت أن أكتب اليوم في موضوع منتشر ويؤثر على مجتمعاتنا، فلم أجد موضوع خير من "كسر الخواطر" لطرقه والكتابة فيه. وذلك لكثرة حدوثه بين الناس وبشكل شبه يومي في حياتهم العادية لا سيما في بلادنا الإسلامية. وهو يجلب الحزن للآخرين، إما بقول أو فعل، أو حتى لغة الجسد وتعابير الوجه.
كسر الخواطر من منظور مقاصد القرآن الكريم:
- كسر الخواطر فيه إيلام للآخرين وإيذاء معنوي لهم، وهو يتعارض مع مقصد تهذيب الأخلاق. وأذى الآخرين محرم بالكتاب والسنة يتناقض مع ومقصد التشريع.
- كسر الخواطر ينشر الحقد والكراهية بين الناس ويتناقض مع صلاح الأحوال الفردية والجماعية. كما أنها قد تؤدي إلى إنتشار الجرائم في المجتمع مما يتناقض مع مقصد التشريع والأحكام الإسلامية.
- كسر الخواطر يؤدي إلى تفكك المجتمع ويتناقض مع مقصد سياسة الأمة.
- كسر الخواطر كثيرا ما يؤدي إلى الشجار الذي قد يصل إلى إزهاق الأرواح وضياع الدين والمال والأبناء، مما يناقض المقصد العام للشريعة وذلك بحفظ الضروريات الخمس، وهي النفس والمال والدين والعقل والنسل.
التوصيات المُقترحة:
- على الإنسان تجنب جرح الناس وإيذاءهم بقدر الإمكان، سواء باللسان أو اليد أو حتى النظرات والتعابير. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرا أو ليسكت)[6]. وفي هذا توجيه مبتكر يقلل من فرص الجدال ومداخل الشجار بين الناس. ولنذكر الأثر القائل: (كما تدين تدان)[7]. فهو كثيرا ما يحدث في أرض الواقع. فكما يعامل المرء الناس يعاملوه. ولا يحب الناس من يقسو أو يشتد عليهم في المعاملة واللفظ.
- علينا بطيب القول ومعاملة الناس بخلق حسن وإحسان عشرتهم وتخير الكلمات الطيبة عند مخاطبتهم، كما وصانا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)[8]. وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[9]. فطيب الكلم من خير ما يتحلى به المرء ويرفع قدره عند الله وعند الناس ويكسبه السعادة ومحبة الآخرين.
- الصبر على أذى الناس وعدم التسرع في اتخاذ الأحكام والإعراض عن الجاهلين. فكثيرا ما ينتج عن التسرع في الحكم على الناس الندم والخسارة.
- يجب إحترام الآخرين والرفق بهم ورحمتهم خاصة الصغار والضعاف والفقراء والأيتام والعجزة. ويجب التلطف بكبار السن، فهم بحاجة للعون والصبر. ولا ننسى أن جميلهم على أعناقنا ما حيينا. وكذا الإحسان للأهل والنساء والجيران والضيوف والمسلمين عموماً.
- يجب الإعتذار إذا صدر منا ما سبب الأذى للآخرين وطلب السماح والعفو منهم. ولنتذكر أن حقوق العباد لا تسقط إلا بعفوهم. فتطييب خواطرهم في الدنيا أسهل بكثير من عذاب النار في الآخرة، والعياذ بالله. ويمكن تحقيق ذلك بفعل أشياء بسيطة وسهلة مثل الهدية والزيارة والبر وبذل المال والكرم والإطعام ونحوه. فالإنسان ينسى ويغفر بهذه الأشياء البسيطة، ومعظم الخلق تكفيهم الكلمة الطيبة والإبتسامة وطلاقة الوجه. وفي كل هذا صدقات وجمع للحسنات وخير كثير. كما أن فيه نشر للمحبة والوئام بين الناس. فقد روى أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تبسمك في وجه أخيك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)[10].
نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق ولين الجانب ويجعلنا مصدراً لإسعاد الناس وتطييب خواطرهم، لا لإحزانهم وإيلامهم، وأن يجعلنا هداة مهتدين، محبوبين منه ومن خلقه ومقبولين في الدنيا والآخرة.
[1] سورة القلم، آية ٤.
[2] سورة آل عمران، آية ٣١.
[3] أخرجه مسلم (٢٥٩٩).
[4] أخرجه البخاري (١٣٥٦)، وأبو داود (٣٠٩٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٨٥٨٨)، وأحمد (١٣٩٧٧) واللفظ له.
[5] أخرجه مسلم (٩١) مختصرا، والترمذي (١٩٩٩) مطولا، وأحمد (٣٩٤٧) واللفظ له.
[6] أخرجه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، والترمذي (٢٥٠٠)، وأحمد (٩٩٧٠) واللفظ له.
[7] رواه عبد الله بن عمر، وأخرجه القسطلاني في إرشاد الساري (١/١١)، وحكم بأن إسناده ضعيف وله شاهد. وأخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦/١٥٨)، والديلمي في الفردوس (٢٢.٣) مطولاً.
[8] أخرجه الترمذي (١٩٨٧) وأحمد (٢١٣٩٢).
[9] سورة فاطر، آية ١٠.
[10] أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب (٣٦٥/٣) وقال إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما. أخرجه الترمذي (١٩٥٦)، وابن حبان (٥٢٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢٧٥/٥) باختلاف يسير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق