وتنبع أهمية الوطن من كونه الموطن الذي تُصان فيه الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. فإذا ضاع الوطن أو ساد فيه الاضطراب، تعرضت هذه الضروريات للخطر، وتعذر على الناس إقامة كثير من شعائر دينهم، وحماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم. ولذلك كان وجود أرض وديار يأمن فيها المسلمون ضرورة لإقامة أمور دينهم ودنياهم.
كما أن الوطن يجمع الإنسان بعشيرته وأرحامه وأبناء عمومته، فيأنس بهم بطبعه، ويجد بينهم ما اعتاده من لغة وعادات وتقاليد وثقافة مشتركة، مما يزيد تعلقه بوطنه ومحبته له.
وقد جاء ذكر الوطن والديار والبلاد في مواضع متعددة من القرآن الكريم، كما ظهر ذلك في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وفي دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة بالأمن والرزق، مما يدل على أن محبة الوطن شعور فطري معتبر، وأن للأوطان مكانة في حياة الناس. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[1].
كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أُخرج من مكة قال: «والله إنكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منكِ ما خرجت»[2]. وفي هذا دليل واضح على أن محبة الوطن من الأمور الفطرية التي لا تتعارض مع كمال الإيمان إذا بقيت منضبطة بضوابط الشرع.
ويؤكد القرآن الكريم شدة تعلق الإنسان بوطنه، حتى قرن الله تعالى بين الخروج من الديار وقتل النفس، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾[3]. وفي هذا دلالة على أن مفارقة الوطن من أشق الأمور على النفوس، وأن حب الإنسان لوطنه أمر فطري جُبل عليه.
وقد ذكر الله تعالى مصر في القرآن خمس مرات، منها قوله سبحانه: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[4]. كما أقسم سبحانه بمكة، ووصفها بالبلد الأمين، فقال: ﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾[5]. وقال أيضًا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾[6].
وهذه النصوص كلها تدل على مكانة البلدان والأوطان في الإسلام، وأنها نعمة عظيمة تستحق المحافظة عليها، كما أن حب الوطن يدفع الإنسان إلى السعي في إصلاحه، والدفاع عنه، والمحافظة على أمنه واستقراره.
غير أن حب الوطن، وإن كان أمرًا فطريًا مباحًا، فلا يجوز أن يتحول إلى تعصبٍ مذموم أو قوميةٍ جاهلية، فيرفع الإنسان أبناء وطنه فوق غيرهم بغير حق، أو يخصهم بالمحسوبية والامتيازات في الوظائف والمعاملات لمجرد اشتراكهم معه في الوطن، وإن كانوا غير مستحقين لذلك.
فالمسلمون جميعًا إخوة، مهما اختلفت أوطانهم وأجناسهم وألوانهم ولغاتهم؛ فالعربي والعجمي، والشرقي والغربي، والأبيض والأسود، والغني والفقير، كلهم يجمعهم إيمان واحد، ولا يتفاضلون عند الله إلا بالتقوى. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[7].
ومن هنا فإن عقيدة الولاء والبراء تقوم على رابطة الإيمان، لا على رابطة الوطن أو القومية. ولما كانت أكثر البلدان تضم المسلم وغير المسلم، فلا يجوز للمسلم أن يقدم غير المسلم على أخيه المسلم لمجرد أنه يشاركه الوطن أو الجنسية. فالمسلم، وإن كان من أقصى بلاد الأرض، أقرب إلى المسلم في رابطة الإيمان من غير المسلم الذي يجمعه معه وطن واحد.
ولا يعني ذلك ظلم غير المسلمين أو الاعتداء على حقوقهم؛ فإن الإسلام أمر بالعدل مع جميع الناس، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[8]. فالولاء والبراء عقيدة قلبية، أما العدل والإحسان وحفظ الحقوق فواجب مع كل من لم يعتدِ على المسلمين.
وبذلك يجمع الإسلام بين الأمرين؛ فيقر حب الوطن والمحافظة عليه والدفاع عنه، وفي الوقت نفسه يجعل رابطة الإيمان هي الرابطة العليا التي تقدم على جميع الروابط الأخرى، دون ظلم أو تعصب أو إخلال بالعدل الذي أمر الله تعالى به.
الحواشي
[1] البقرة: 126.
[2] رواه الترمذي (3925)، وصححه الألباني.
[3] النساء: 66.
[4] الزخرف: 51.
[5] التين: 3.
[6] البلد: 1-2.
[7] الحجرات: 10.
[8] الممتحنة: 8.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق