لقد لفت انتباهي في الآونة الأخيرة تزايد الحديث عن خلع بعض الفتيات للحجاب، وانتشار هذه الظاهرة في عدد من المجتمعات، حتى بدت وكأنها موجة يقلد فيها بعضهن بعضًا. وإنه لأمر يدعو إلى الأسف والحزن؛ فكم من فتاة لبست الحجاب سنوات طويلة، ثم انتكست بعد ذلك ولحقت بركب السافرات، وكأنها نسيت أنها كانت في طاعة لله عز وجل، ثم آثرت اتباع الهوى وتقليد غيرها.
والحجاب ليس عادة اجتماعية، ولا تقليدًا موروثًا يجوز للمرأة أن تتركه متى شاءت، وإنما هو عبادة فرضها الله على نساء المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59].
وقد جاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا الحكم، ومحذرة من التهاون في أمر ستر المرأة وعفتها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا». رواه مسلم.
فما كان الالتزام بالحجاب يومًا أمرًا مستحيلاً أو شاقًا؛ فقد لبسته ملايين المسلمات عبر القرون، وتمسكن به ابتغاء مرضاة الله، ولم يمنعهن من العيش الكريم أو النجاح في حياتهن. ولكنها فتنة التقليد الأعمى والمحاكاة التي ابتُلي بها كثير من الناس في هذا العصر، حتى صار بعضهم يغيّر دينه وسلوكه لمجرد أن مشهورًا فعل ذلك.
ومن أخطر ما أفرزته وسائل التواصل الاجتماعي أنها جعلت بعض الناس يوزنون الحق والباطل بعدد المتابعين والمشاهدات، لا بميزان الكتاب والسنة. فإذا خلعت إحدى المشهورات حجابها، أو أعلنت تراجعها عن بعض أحكام دينها، سارع بعض ضعاف الإيمان إلى تقليدها، وكأن الشهرة تمنح صاحبها حق التشريع أو تجعل الباطل حقًا. وهذه هي حقيقة التقليد الأعمى؛ إذ يتخلى المرء عن قناعته وطاعة ربه لمجرد موافقة غيره، ولو كان ذلك الغير مخطئًا.
وقد حذر النبي ﷺ من الفتن، فقال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء» متفق عليه. وإذا كانت المرأة مأمورة شرعًا بأن تكون سببًا في صيانة المجتمع من الفتنة، فإن من أعظم وسائل ذلك التزامها بالحجاب والعفاف، وابتعادها عن كل ما يدعو إلى التبرج أو تقليد من يهونون من شأن أحكام الله.
ولو أن واحدة من المشهورات خلعت حجابها، فإن ذلك لا يجعل السفور حلالًا، ولا يغيّر حكم الله فيه؛ فالحق لا يُعرف بكثرة أتباعه، وإنما يُعرف بدليل الشرع. وكيف يُترك أمر الله العزيز الحكيم، خالق السماوات والأرض، الذي بيده ملكوت كل شيء، من أجل مخلوقة ضعيفة لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضرًا؟
وغدًا ستموتين، ولن ينفعك سفورك شيئًا، ولن تستطيع تلك المشهورة أن تدفع عنك عذابًا، أو تحمل عنك ذنبًا، أو تقف بين يدي الله لتعتذر عنك. بل سيقف كل إنسان وحده بين يدي ربه، يحاسَب على عمله، ويجازى بما قدمت يداه. فإذا جاء الموت، وأُغلق باب التوبة، لم يعد هناك رجوع ولا اعتذار، ولا ندم ينفع صاحبه.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: 194].
فتلك التي عصيتِ الله من أجلها ليست إلا إنسانة مثلك، لا تملك لنفسها ولا لك نفعًا ولا ضرًا، فكيف يُسوَّى بينها وبين خالقك الذي أنعم عليك بالحياة، والصحة، والعقل، والهداية، وسائر النعم؟! أما تذكرين أن عذابه شديد، وأن رحمته إنما تنال بطاعته والتوبة إليه؟
ثم إن كثرة من يخلعن الحجاب لا تجعل السفور أمرًا هيّنًا، كما أن كثرة العصاة لا تجعل المعصية طاعة. فالحق لا يتغير بكثرة المخالفين، وإنما يثبت بما شرعه الله. وكثير من الفتيات ينسقن وراء التقليد الأعمى دون تفكر في العواقب، أو نظر في حكم الله تعالى.
وقد حذرنا الله سبحانه من الاغترار بالكثرة واتباع أهل الضلال، فقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 13]. وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].
واعلمي بنيتي أن الله سبحانه أرحم بك من نفسك، وأنه يقبل توبة عباده مهما عظمت ذنوبهم إذا رجعوا إليه صادقين نادمين. فإن كنتِ قد خلعتِ حجابك، فلا يدفعك الشيطان إلى اليأس، ولا يقنعك بأن الطريق قد أُغلق، بل عودي إلى ربك اليوم قبل الغد، وجددي توبتك، والبسي حجابك ابتغاء مرضاته، ولا تعبئي بكلام الناس أو سخريتهم؛ فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن صبر على طاعته أعانه وثبته وأكرمه في الدنيا والآخرة.
وتذكري أن الدنيا قصيرة، وأنها دار ابتلاء لا دار بقاء، وأن الإنسان فيها إما أن ينجح بطاعة الله فيفوز برضوانه وجنته، وإما أن يخسر باتباع الهوى فيعرض نفسه للعقاب. وليس بعد الموت فرصة أخرى للتوبة أو تصحيح الطريق.
فبادري إلى التوبة، ولا تجعلي المشهورات قدوة لك في معصية الله، ولا يغرك كثرة من خلعن الحجاب؛ فإن الشهرة لا تعني العصمة، وكثرة الأتباع لا تجعل الباطل حقًا. وكوني كما كنتِ: عفيفة، حيية، طاهرة، معتزة بدينك، متمسكة بحجابك، راجية رحمة ربك، سائرة إلى رضوانه قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
ونسأل الله تعالى أن يثبت نساء المسلمين على العفاف والحجاب، وأن يرد كل من ضلت الطريق إلى طاعته ردًا جميلًا، وأن يجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق