الدرس السابع: الإجماع (الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها)
قال الله تعالى:
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾
أهداف الدرس
بعد دراسة هذا الدرس ستكون قادرًا على:
- تعريف الإجماع.
- معرفة أركان الإجماع.
- معرفة شروط انعقاد الإجماع.
- معرفة أنواع الإجماع.
- معرفة حجيته.
- التمييز بين الإجماع والخلاف الفقهي.
أولًا: ما هو الإجماع؟
الإجماع لغةً
الإجماع يأتي بمعنيين:
- الاتفاق.
- العزم.
الإجماع اصطلاحًا
هو:
اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.
وهذا هو التعريف المشهور عند جمهور الأصوليين.
شرح التعريف
١- اتفاق
أي لا يوجد مخالف من المجتهدين.
فإذا وجد مجتهد معتبر يخالف، فلا يكون هناك إجماع.
٢- مجتهدي الأمة
أي العلماء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد.
أما اتفاق عامة الناس أو طلبة العلم فليس إجماعًا بالمعنى الأصولي.
٣- أمة محمد ﷺ
فإجماع الأمم السابقة ليس دليلًا علينا من جهة كونه إجماعًا.
٤- بعد وفاة النبي ﷺ
لأن وجود النبي ﷺ يغني عن الإجماع، إذ يُرجع إليه مباشرة في حياته.
٥- على حكم شرعي
أما الاتفاق على أمر طبي أو لغوي أو سياسي محض، فلا يسمى إجماعًا أصوليًا.
ثانيًا: حجية الإجماع
أجمع علماء المسلمين على أن الإجماع الصحيح حجة شرعية يجب العمل بها.
الدليل من القرآن
قال تعالى:
﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾
استدل كثير من العلماء بأن اتباع سبيل المؤمنين واجب، وأن مخالفتهم مذمومة.
الدليل من السنة
قال النبي ﷺ:
«لا تجتمع أمتي على ضلالة.»
وقد وردت أحاديث أخرى في هذا المعنى، ويقوي بعضها بعضًا، ولذلك استدل بها جمهور العلماء على حجية الإجماع.
الدليل العقلي
إذا اجتمع علماء الأمة المجتهدون على حكم مستند إلى دليل، فإن ذلك من أسباب حفظ الشريعة ومنع وقوع الأمة في الخطأ العام.
ثالثًا: أركان الإجماع
للإجماع أربعة أركان:
1- وجود عدد من المجتهدين.
2- اتفاقهم جميعًا.
3- أن يكون الاتفاق بعد وفاة النبي ﷺ.
4- أن يكون الاتفاق على حكم شرعي.
رابعًا: شروط انعقاد الإجماع
حتى يكون الإجماع صحيحًا لا بد من توفر الشروط الآتية:
1- أن يكون جميع المجتهدين قد اتفقوا.
فلا ينعقد مع وجود مخالف معتبر.
2- أن يكونوا من أمة محمد ﷺ.
3- أن يقع بعد وفاة النبي ﷺ.
4- أن يكون الحكم شرعيًا.
5- أن يثبت هذا الإجماع ثبوتًا صحيحًا.
ولهذا كان العلماء يقولون:
ادعاء الإجماع ليس بالأمر الهيّن.
وقال الإمام أحمد رحمه الله:
"من ادعى الإجماع فهو كاذب."
وليس مراده إنكار حجية الإجماع، وإنما التحذير من التوسع في دعوى وقوعه؛ لأن كثيرًا من الخلاف قد يخفى على من يدعي الإجماع.
خامسًا: أنواع الإجماع
أولًا: الإجماع الصريح
وهو:
أن يصرح جميع المجتهدين بالموافقة.
وهذا أقوى أنواع الإجماع.
ثانيًا: الإجماع السكوتي
صورته:
يفتي بعض المجتهدين بحكم، ويعلم به بقية المجتهدين، فلا يظهر منهم إنكار.
وهل يعد إجماعًا؟
اختلف العلماء في ذلك:
- جمهور الأصوليين لا يعدونه إجماعًا قطعيًا.
- وبعضهم يحتج به بشروط.
سادسًا: أمثلة على الإجماع
من أشهر المسائل التي نقل العلماء فيها الإجماع:
العقيدة
- وجوب الإيمان بالله ورسله.
العبادات
- وجوب الصلوات الخمس.
- وجوب صيام رمضان.
- وجوب الزكاة على من استوفى شروطها.
المعاملات
- تحريم الربا.
- تحريم الغش.
الأحوال الشخصية
- تحريم الزواج من الأم والبنت والأخت.
سابعًا: هل يوجد إجماع في عصرنا؟
من حيث الأصل:
نعم، يمكن وقوعه.
لكن إثباته في العصر الحاضر صعب جدًا؛ بسبب:
- كثرة العلماء.
- انتشارهم في أنحاء العالم.
- صعوبة التحقق من اتفاق جميع المجتهدين.
ولذلك فإن المجامع الفقهية المعاصرة تصدر قرارات جماعية ذات قيمة علمية كبيرة، لكنها لا تُسمى إجماعًا بالمعنى الأصولي إلا إذا تحقق الاتفاق بالشروط المعتبرة.
الفرق بين الإجماع والاتفاق
ليس كل اتفاق يعد إجماعًا.
مثال:
اتفاق أطباء العالم على علاج معين.
هذا ليس إجماعًا أصوليًا.
واتفاق عدد من العلماء في مؤتمر فقهي لا يسمى إجماعًا بمجرده، ما لم تتحقق شروط الإجماع.
الفرق بين الإجماع والخلاف الفقهي
| الإجماع | الخلاف الفقهي |
|---|---|
| لا يجوز مخالفته | يجوز الترجيح بين الأقوال بالدليل |
| قطعي إذا ثبت | قد يكون ظنيًا |
| ينتهي معه الخلاف | يبقى فيه مجال للاجتهاد |
خريطة ذهنية
الإجماع│├── تعريفه├── حجيته├── أركانه├── شروطه├── أنواعه│ ├ صريح│ └ سكوتي└── أمثلته
فوائد الإجماع
- يحفظ وحدة الأمة.
- يمنع الاضطراب في الأحكام.
- يبين المسائل التي لا يجوز الخلاف فيها.
- يكشف عن فهم السلف للنصوص.
- يعد من أقوى الأدلة بعد القرآن والسنة.
خلاصة الدرس
- الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته على حكم شرعي.
- الإجماع الصحيح حجة شرعية يجب العمل بها.
- لا ينعقد إلا بتوفر شروطه، وأهمها اتفاق جميع المجتهدين.
- ينقسم إلى إجماع صريح وإجماع سكوتي، مع اختلاف العلماء في حجية الثاني.
- ينبغي التثبت عند نقل الإجماع، فلا يُدعى إلا بدليل.
أسئلة للمراجعة
- ما تعريف الإجماع اصطلاحًا؟
- لماذا قُيِّد الإجماع بكونه بعد وفاة النبي ﷺ؟
- ما أركان الإجماع؟
- ما شروط صحة الإجماع؟
- ما الفرق بين الإجماع الصريح والإجماع السكوتي؟
- لماذا يصعب إثبات الإجماع في العصر الحاضر؟
- ما الفرق بين الإجماع والخلاف الفقهي؟
تطبيق عملي
بيّن هل تُعد الأمثلة الآتية إجماعًا أم لا، مع ذكر السبب:
- اتفاق المسلمين على وجوب الصلوات الخمس.
- اتفاق علماء بلد واحد على فتوى في معاملة مالية مع وجود مخالفين في بلدان أخرى.
- قرار صدر عن مجمع فقهي دولي وأيده أكثر العلماء، مع وجود مخالفين معروفين.
تمهيد للدرس الثامن
في الدرس القادم سندرس القياس، وهو الدليل الرابع من الأدلة المتفق عليها، وسنتعرف على:
- تعريف القياس.
- مشروعية القياس وحجيته.
- أركان القياس الأربعة.
- شروط العلة.
- أنواع القياس.
- أشهر الأمثلة التطبيقية، مثل قياس المخدرات على الخمر في التحريم.
ويُعد القياس من أهم أدوات الاجتهاد، إذ يُمكّن الفقيه من بيان حكم النوازل والمسائل المستجدة في ضوء النصوص الشرعية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق