الدرس الثامن: القياس (الدليل الرابع من الأدلة المتفق عليها)
قال الله تعالى:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
(الحشر: 2)
أهداف الدرس
بعد دراسة هذا الدرس ستكون قادرًا على:
تعريف القياس.
معرفة مشروعية القياس.
التعرف على أركان القياس الأربعة.
معرفة شروط القياس الصحيح.
فهم معنى العلة وشروطها.
التعرف على أنواع القياس.
تطبيق القياس على مسائل معاصرة.
أولًا: ما هو القياس؟
القياس لغةً
القياس هو:
التقدير والمساواة.
يقال:
قاس الشيء بالشيء.
أي ساواه به.
القياس اصطلاحًا
هو:
إلحاق فرع بأصل في حكمه؛ لاشتراكهما في علة الحكم.
وهذا من أشهر تعريفات الأصوليين.
شرح التعريف
يتكون القياس من أربعة عناصر:
أصل.
فرع.
حكم.
علة.
إذا اشترك الأصل والفرع في العلة، أُعطي الفرع حكم الأصل.
مثال مشهور
الأصل
الخمر.
الحكم
التحريم.
الدليل
قال تعالى:
﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾
العلة
الإسكار وإفساد العقل.
الفرع
المخدرات.
النتيجة
المخدرات حرام.
لماذا؟
لأنها تشترك مع الخمر في علة الإسكار أو إفساد العقل.
ثانيًا: حجية القياس
ذهب جمهور العلماء إلى أن القياس الصحيح حجة شرعية، وهو الدليل الرابع بعد القرآن والسنة والإجماع.
الدليل من القرآن
قال تعالى:
﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾
قال كثير من العلماء:
الاعتبار هو العبور من الشيء إلى نظيره، وهو معنى القياس.
الدليل من السنة
لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قال له:
«بمَ تقضي؟»
قال:
بكتاب الله.
قال:
«فإن لم تجد؟»
قال:
بسنة رسول الله ﷺ.
قال:
«فإن لم تجد؟»
قال:
أجتهد رأيي.
فأقره النبي ﷺ.
تنبيه: هذا الحديث مشهور في كتب الأصول للاستدلال على مشروعية الاجتهاد، لكن أهل الحديث اختلفوا في ثبوته، ولذلك يعتمد الأصوليون أيضًا على أدلة أخرى وعلى عمل الصحابة في تقرير حجية القياس.
من عمل الصحابة
كان الصحابة يقيسون المسائل الجديدة على ما ورد فيه النص.
ومن ذلك:
قياس أبو بكر الصديق قتال مانعي الزكاة على قتال المرتدين؛ لاشتراكهم في الامتناع عن أداء ما أوجبه الله.
ثالثًا: أركان القياس
للقياس أربعة أركان:
القياس
│
├── الأصل
├── الفرع
├── حكم الأصل
└── العلة
الركن الأول: الأصل
هو:
المسألة التي ورد فيها النص.
مثال:
الخمر.
الركن الثاني: الفرع
هو:
المسألة الجديدة التي لم يرد فيها نص خاص.
مثال:
المخدرات.
الركن الثالث: حكم الأصل
هو:
الحكم الثابت بالنص.
مثال:
تحريم الخمر.
الركن الرابع: العلة
هي:
الوصف الظاهر المنضبط الذي من أجله شرع الحكم.
وهذا أهم أركان القياس.
ما معنى العلة؟
العلة ليست الحكمة.
العلة هي الوصف الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا.
مثال
الخمر حرام.
العلة:
الإسكار.
كل شراب يسكر فهو داخل في الحكم.
الفرق بين العلة والحكمة
| العلة | الحكمة |
|---|---|
| وصف ظاهر منضبط | الغاية والمصلحة |
| يدور الحكم معها | قد توجد ولا يوجد الحكم |
| مثل: الإسكار | مثل: حفظ العقل |
مثال
تحريم الخمر:
العلة:
الإسكار.
الحكمة:
حفظ العقل.
فالعلة هي التي يُبنى عليها القياس، أما الحكمة فهي المقصد من التشريع.
رابعًا: شروط العلة
حتى تكون العلة صحيحة لا بد أن تكون:
1- ظاهرة
يمكن معرفتها.
2- منضبطة
ليست أمرًا مضطربًا يختلف من شخص لآخر.
3- مناسبة للحكم
أي يظهر ارتباطها بالحكم.
4- متعدية
أي يمكن أن توجد في مسائل أخرى، فيصح القياس عليها.
خامسًا: أنواع القياس
أولًا: قياس الأولى
أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل.
مثال
قال تعالى:
﴿فلا تقل لهما أفٍّ﴾
إذا كان قول "أف" محرمًا، فإن ضرب الوالدين أو سبهما أولى بالتحريم.
ثانيًا: القياس المساوي
أن يتساوى الأصل والفرع في العلة.
مثال
الخمر والمخدرات.
ثالثًا: قياس الأدنى
أن تكون العلة في الفرع أضعف منها في الأصل، ومع ذلك يشمله الحكم إذا تحققت شروط القياس.
أمثلة تطبيقية
المثال الأول
الأصل
الخمر.
الفرع
الحشيش.
العلة
إفساد العقل والإسكار.
الحكم
التحريم.
المثال الثاني
تحريم التدخين عند كثير من العلماء المعاصرين.
العلة:
تحقق الضرر، مع قوله ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار.»
وقد استدلوا كذلك بعمومات القرآن في النهي عن إهلاك النفس وإلقائها إلى التهلكة.
المثال الثالث
قياس العملات الإلكترونية على الأموال في بعض الأحكام.
يدرس العلماء:
هل تحققت العلة؟
فإن تحققت، أُلحق الفرع بالأصل.
متى لا يصح القياس؟
لا يصح إذا:
خالف نصًا صحيحًا.
خالف إجماعًا.
كانت العلة غير صحيحة.
كانت المسألة من الأمور التعبدية المحضة التي لا يظهر فيها معنى القياس.
أهمية القياس
لولا القياس لتعذر بيان أحكام آلاف النوازل الحديثة، مثل:
المعاملات المالية الجديدة.
التقنيات الطبية.
القضايا الإلكترونية.
النوازل الاقتصادية.
فالقياس الصحيح يجعل الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
خريطة ذهنية
القياس
│
├── تعريفه
├── حجيته
├── أركانه
│ │
│ ├ الأصل
│ ├ الفرع
│ ├ الحكم
│ └ العلة
│
├── شروط العلة
│
└── أنواعه
│
├ قياس الأولى
├ القياس المساوي
└ قياس الأدنى
خلاصة الدرس
القياس هو إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في علة الحكم.
القياس حجة عند جمهور العلماء إذا استوفى شروطه.
أركانه أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة.
العلة غير الحكمة، وهي الأساس الذي يبنى عليه القياس.
القياس وسيلة مهمة لاجتهاد العلماء في النوازل المعاصرة.
أسئلة للمراجعة
ما تعريف القياس اصطلاحًا؟
ما أركان القياس الأربعة؟
ما الفرق بين العلة والحكمة؟
اذكر شروط العلة.
ما أنواع القياس مع مثال لكل نوع؟
لماذا لا يصح القياس إذا خالف نصًا صحيحًا؟
طبّق القياس على مسألة معاصرة تعرفها، وبيّن الأصل والفرع والعلة والحكم.
تمهيد للدرس التاسع
في الدرس القادم سنبدأ أول مباحث دلالات الألفاظ، وهو باب الأمر والنهي، وسندرس:
معنى الأمر وصِيَغه.
هل الأمر يقتضي الوجوب أم الندب؟
هل الأمر يقتضي الفور أم التراخي؟
هل الأمر بعد الحظر يفيد الوجوب أم الإباحة؟
معنى النهي وصِيَغه.
هل النهي يقتضي التحريم؟
أثر النهي في صحة العبادات والمعاملات.
وهذا الباب من أكثر أبواب أصول الفقه تطبيقًا في استنباط الأحكام، وتظهر فيه ثمرة القواعد الأصولية بصورة واضحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق