الدرس الخامس عشر: الاجتهاد والتقليد
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(النحل: 43)
وقال النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.»
(متفق عليه)
أهداف الدرس
بعد دراسة هذا الدرس ستكون قادرًا على:
تعريف الاجتهاد.
معرفة شروط المجتهد.
التعرف على مراتب الاجتهاد.
تعريف التقليد.
معرفة متى يجوز التقليد.
معرفة الفرق بين الاجتهاد والتقليد والاتباع.
التعرف على آداب الاختلاف بين العلماء.
أولًا: ما هو الاجتهاد؟
الاجتهاد لغةً
الاجتهاد هو:
بذل الوسع والطاقة في فعل أمرٍ فيه مشقة.
الاجتهاد اصطلاحًا
هو:
بذل الفقيه وُسعه لاستنباط حكم شرعي عملي من أدلته التفصيلية.
أي أن المجتهد يبذل أقصى جهده للوصول إلى الحكم الشرعي اعتمادًا على القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة.
ثانيًا: مشروعية الاجتهاد
ثبتت مشروعية الاجتهاد بالكتاب والسنة وعمل الصحابة.
من القرآن
قال تعالى:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
وقال تعالى:
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
ففي الآية إشارة إلى وجود أهل الاستنباط.
من السنة
قال النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد...»
فأثبت الاجتهاد، وجعل للمجتهد أجرًا سواء أصاب أو أخطأ إذا استوفى شروط الاجتهاد.
ثالثًا: شروط المجتهد
ذكر العلماء شروطًا كثيرة، ومن أهمها:
1- الإسلام
فلا يكون الكافر مجتهدًا في الشريعة الإسلامية.
2- العقل والبلوغ
لأن التكليف والاستنباط لا يتحققان بدونهما.
3- العلم بالقرآن
ويشمل:
آيات الأحكام.
الناسخ والمنسوخ.
العام والخاص.
المطلق والمقيد.
المجمل والمبين.
4- العلم بالسنة
ويشمل:
أحاديث الأحكام.
الصحيح والضعيف.
الناسخ والمنسوخ.
طرق الجمع بين الأحاديث.
5- معرفة الإجماع
حتى لا يفتي بخلاف ما انعقد عليه إجماع الأمة.
6- معرفة القياس
وأصول الاستنباط.
7- معرفة اللغة العربية
لأن القرآن والسنة نزلَا بلسان عربي.
ويحتاج إلى معرفة:
النحو.
الصرف.
البلاغة.
دلالات الألفاظ.
8- معرفة مقاصد الشريعة
حتى يحسن تنزيل الأحكام على الوقائع.
رابعًا: مراتب الاجتهاد
ليس المجتهدون في درجة واحدة.
ومن أشهر المراتب:
1- المجتهد المطلق
وهو الذي يستطيع استنباط الأحكام مباشرة من الأدلة.
ومن أشهر الأمثلة:
الإمام أبو حنيفة.
الإمام مالك.
الإمام الشافعي.
الإمام أحمد.
2- المجتهد في المذهب
وهو الذي يجتهد داخل أصول إمامه.
3- مجتهد الترجيح
يرجح بين الأقوال داخل المذهب أو بين أقوال العلماء بناءً على الأدلة.
4- الباحث أو طالب العلم
ينقل أقوال العلماء ويفهم أدلتهم، لكنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
خامسًا: ما هو التقليد؟
التقليد لغةً
هو:
جعل الشيء في العنق كالقلادة.
التقليد اصطلاحًا
هو:
قبول قول الغير من غير معرفة دليله.
هل التقليد جائز؟
يفرق العلماء بين حالتين:
أولًا: العامي
العامي الذي لا يستطيع معرفة الأدلة:
يجوز له، بل يجب عليه، أن يسأل أهل العلم.
قال تعالى:
﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾
ثانيًا: المجتهد
لا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره فيما ظهر له فيه الدليل.
سادسًا: ما الفرق بين التقليد والاتباع؟
| التقليد | الاتباع |
|---|---|
| قبول القول دون معرفة دليله | قبول القول بناءً على الدليل |
| للعامي عند الحاجة | هو الأصل لطالب العلم وأهل الاجتهاد |
| قد يكون في المسائل الاجتهادية | يعتمد على معرفة الحجة |
ولهذا كان كثير من العلماء يفضلون استعمال كلمة الاتباع لمن عرف الدليل، ولا يطلقون عليه "مقلدًا".
سابعًا: هل يجب الالتزام بمذهب معين؟
هذه مسألة مشهورة.
والراجح عند جمهور أهل العلم:
لا يجب على المسلم الالتزام بمذهب معين في جميع المسائل.
لكن يجوز له أن يتعلم على مذهب فقهي؛ لأنه وسيلة لفهم الفقه وتنظيم مسائله.
ولا يجوز تتبع الرخص أو الانتقال بين الأقوال لمجرد موافقة الهوى.
ثامنًا: آداب الاختلاف بين العلماء
من أهمها:
1- حسن الظن بالعلماء.
2- احترام المجتهدين.
3- عدم التعصب للمذاهب.
4- قبول الحق متى ظهر دليله.
5- عدم الإنكار في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، مع بقاء الإنكار في المسائل التي خالف فيها القول نصًا أو إجماعًا.
تاسعًا: لماذا اختلف الفقهاء؟
من أسباب اختلافهم:
اختلاف فهم النص.
اختلاف ثبوت الحديث.
اختلاف دلالة الألفاظ.
اختلاف قواعد الأصول.
اختلافهم في بعض وجوه القياس.
وهذا الاختلاف الاجتهادي لا يقدح في مكانة العلماء، بل هو من آثار الاجتهاد المشروع.
أمثلة تطبيقية
المثال الأول
عامي لا يعرف أحكام الزكاة.
الواجب عليه:
سؤال عالم موثوق.
المثال الثاني
طالب علم يعرف الأدلة في مسألة معينة، ثم تبين له رجحان قول مخالف لما كان يتبعه.
المشروع له:
اتباع الدليل بعد التأكد من فهمه، مع التواضع والرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل عليه.
المثال الثالث
مجتهد اجتهد في مسألة فأخطأ.
له أجر واحد.
ولا يأثم إذا استوفى شروط الاجتهاد.
خريطة ذهنية
الاجتهاد والتقليد
│
├── الاجتهاد
│ ├ تعريفه
│ ├ شروطه
│ └ مراتبه
│
├── التقليد
│ ├ تعريفه
│ └ حكمه
│
├── الاتباع
│
└── آداب الاختلاف
قواعد أصولية مهمة
الاجتهاد لا يكون إلا لمن استوفى شروطه.
العامي فرضه سؤال أهل العلم.
لا يجوز للمجتهد أن يترك ما ظهر له من الدليل تقليدًا لغيره.
الخلاف السائغ لا يوجب التباغض أو التعصب.
الأصل هو اتباع الدليل مع فهمه على منهج أهل العلم.
خلاصة الدرس
الاجتهاد هو بذل الوسع لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
للمجتهد شروط علمية دقيقة، وليس كل طالب علم مجتهدًا.
التقليد جائز للعامي الذي لا يستطيع معرفة الأدلة، بل يجب عليه سؤال أهل العلم.
الاتباع أرفع من التقليد؛ لأنه يقوم على معرفة الدليل.
الاختلاف الاجتهادي وقع بين الأئمة، ومع ذلك بقيت بينهم المحبة والاحترام.
أسئلة للمراجعة
ما تعريف الاجتهاد اصطلاحًا؟
اذكر ثمانية من شروط المجتهد.
ما مراتب الاجتهاد؟
ما تعريف التقليد؟
ما الفرق بين التقليد والاتباع؟
هل يجب على المسلم الالتزام بمذهب معين؟ وضح.
ما واجب العامي إذا نزلت به نازلة؟
اذكر خمسة من آداب الاختلاف بين العلماء.
تنبيه علمي
ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين الاجتهاد المطلق الذي لا يقدر عليه إلا كبار الأئمة، وبين الاجتهاد الجزئي أو الترجيح في بعض المسائل، وهو باب أوسع لمن تأهل له. كما أن الدعوة إلى اتباع الدليل لا تعني الاستغناء عن كلام العلماء، بل إن فهم الدليل نفسه يحتاج إلى علم باللغة، وأصول الفقه، وأقوال السلف، وقواعد الترجيح.
تمهيد للدرس السادس عشر
في الدرس القادم سنختم هذه الدورة بدرس مقاصد الشريعة الإسلامية، ونتعرف على:
تعريف المقاصد.
أقسامها.
الضروريات الخمس.
الحاجيات والتحسينيات.
أثر المقاصد في الاجتهاد والفتوى.
ضوابط الاستدلال بالمقاصد.
وسيكون هذا الدرس خاتمة تجمع كثيرًا مما سبق دراسته، وتُظهر الحكمة العامة التي تقوم عليها أحكام الشريعة الإسلامية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق