الموت حق على كل حي؛ مؤمناً كان أو كافراً. والفائز حقاً هو من قضى عمره في طاعة الله، ملازماً للتوبة والاستغفار، مكثرًا من العمل الصالح. فإذا جاءه الأجل رجع إلى ربه بنفسٍ مطمئنة، قد أخذت بأسباب القرب منه، وبذلت ما وسعها في طاعته؛ فتلقاه وهي ساكنة القلب، مؤمنة بوعده، مخبتة إليه.
قال تعالى:
(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)¹
وقد ذكر القرطبي وغيره أن هذا التثبيت يكون عند سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، كما في حديث النبي ﷺ:
(ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟)²
وهذا يفسّر ما نراه أو نسمع به من صور حسن الخاتمة وسوئها؛ فقد يبدو على الإنسان الصلاح في حياته، ثم تكون خاتمته على غير ما يُرجى، وقد يكون العبد خفيّ العمل، لا يُرى منه كثير ظاهر، ثم يختم له بخير عظيم. بل قد يموت بعضهم في حال شريفة؛ كسجودٍ أو حج، وليس معروفًا بكثرة عمل ظاهر، ولكن لعل عمله كان في قلبه أعظم من جوارحه، وكانت صلته بربه خفية صادقة، تفوق ما يظهر للناس.
وكذلك من عاش خائفًا من عذاب الله، راجيًا رحمته، فإن الله يؤمّنه عند الموت ويثبّته. وهذا من علم الله بالنيات، وبما تنطوي عليه القلوب؛ فكأن الخواتيم مرآة لما استقر فيها من صدقٍ أو غفلة.
قال ﷺ:
(يقول الله عز وجل: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين؛ إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة)³
فلنقوِّ صلتنا بالله قولًا وعملاً، محبةً ويقينًا، ولنحيا على طاعته ما بقي من أعمارنا؛ لنلقاه في أحسن حال، ولنخشه في الدنيا ليؤمّننا يوم السؤال.
نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
¹ إبراهيم: 27.
² رواه أبو داود (4753) واللفظ له، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549) مختصراً، وأحمد (18557) باختلاف يسير، وصححه الألباني.
³ حسن صحيح. أخرجه ابن المبارك في الزهد (158)، وابن حبان (640)، والبيهقي في شعب الإيمان (777) باختلاف يسير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق