الحمد لله رب العالمين (تفسير ١-١)

الحمد لله رب العالمين (١-١)

تُعدُّ هذه الآية من أعظم آيات القرآن؛ إذ تؤسس لأصلٍ جليل من أصول الدين، وهو تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه، القائمة على تعظيمه، وإفراده بالحمد، وردِّ الفضل إليه، والثناء عليه بما هو أهله. فالحمد يجمع كمال المحبة وكمال التعظيم، وهو من أجلِّ مقامات العبودية.

ونِعَم الله على عباده نعمٌ عامة شاملة، لا تقتصر على الماديات من طعامٍ وشرابٍ وملبسٍ ومسكن، بل تتجاوز ذلك إلى نعمٍ أعظم وأدق؛ كنعمة الماء والهواء، ونعمة الأمن والاستقرار، ونعمة الأهل والولد، ونعمة العقل الذي به يميّز الإنسان بين النافع والضار، ونعمة السعادة والطمأنينة. وأعظم هذه النعم على الإطلاق: نعمة الإيمان ومعرفة الله، وهي النعمة التي لا تُدانيها نعمة.

ومن هنا يظهر تفاوت الناس العظيم في هذه النعمة؛ فمنهم من حُرمها فلم يؤمن بالله، ومنهم من عرف وجوده ولم يُوفَّق للإيمان به، ومنهم من آمن به لكنه انحرف في اعتقاده، ومنهم من وُفِّق للعقيدة الصحيحة ثم انتكس، ومنهم من استقام لكنه ارتكب كبائر ومات عليها دون توبة.

ومع أن مرتكب الكبيرة -عند أهل السنة- لا يُخلَّد في النار إذا مات موحِّدًا، إلا أن مجرد دخول النار ولو لحظةً أمرٌ عظيم لا تُطيقه النفوس؛ مما يوجب على العبد شدة الخوف، وكثرة اللجوء إلى الله أن يعصمه من أسباب الهلاك، وأن يثبته على الحق.

والحمد عبادةٌ عظيمة، جاءت النصوص ببيان فضلها ومكانتها، ومن ذلك قوله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن»¹؛ إذ يدل على أن العبد يدور بين الشكر والصبر، وكلاهما عبادة، ولا يتحقق الشكر إلا بحضور معنى الحمد والاعتراف بالنعمة.

كما أن الحمد من أحب الكلام إلى الله، كما في قوله ﷺ: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت»². وقد كان النبي ﷺ يكثر منه في خطبه وأذكاره، ومن ذلك قوله: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»³، وهو اعتراف بعجز العبد عن بلوغ كمال حمد الله تعالى.

ويتأكد هذا المعنى في الصلاة، إذ يُشرع للمصلّي أن يحمد الله في كل ركعة عند الرفع من الركوع، فيقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»⁴، مما يدل على أن الحمد ليس مجرد لفظ، بل عبادة متكررة في حياة المسلم.

ومن أعظم آثاره: أنه سبب لدوام النعم وزيادتها، كما قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾⁵، فالشكر -ومن أعظم صوره الحمد- يجلب المزيد، ويحفظ الموجود، بخلاف الجحود، فإنه سبب للحرمان وزوال النعم.

ولله المثل الأعلى؛ فإن الناس يميلون إلى من يشكرهم ويعترف بفضلهم، فيزيدون في الإحسان إليه، بخلاف من يجحد المعروف، فإنه يُحرَم من الإحسان. فإذا كان هذا في حق المخلوق، فكيف بالخالق سبحانه، وهو أحق بالحمد والشكر؟

وقد قرر القرآن هذا الأصل في مواضع متعددة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾⁶، أي يجازي أهل الإحسان بإحسانٍ أعظم، ويثيبهم على أعمالهم أكمل الثواب، كما بيّنه أهل التفسير⁷.

وخلاصة ذلك: أن الحمد ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو أصلٌ عقدي، ومقامٌ تعبدي، ومنهج حياة، يقوم على معرفة النعمة، ونسبتها إلى المنعم، واستعمالها في طاعته. وكلما ازداد العبد علمًا بالله، ازداد حمدًا له، وكلما ازداد حمدًا، ازداد قربًا وفضلًا.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده الحامدين الشاكرين، وأن يرزقنا الإخلاص والثبات.

بقلم منال محمد أبو العزائم


الحواشي

¹ أخرجه مسلم (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه.
² أخرجه مسلم (2137).
³ أخرجه مسلم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها.
⁴ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه.
⁵ سورة إبراهيم: 7.
⁶ سورة هود: 3.
⁷ تفسير الطبري، تفسير سورة هود، الآية (3)، وانظر: تفسير ابن كثير، وتفسير السعدي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق