تُعدّ الصدقة من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وينال بها الأجور العظيمة. ومع ذلك، فإنها تثقل على كثير من الناس؛ لما تتطلبه من مجاهدةٍ للنفس التي جُبلت على حب المال، والخوف من الفقر، والقلق على الرزق في الحاضر والمستقبل، وما قد يعرض للإنسان من مرضٍ أو حاجة.
ولهذا، فإن التغلب على الشح يحتاج إلى تربيةٍ إيمانية صادقة، وأعظم ما يعين على ذلك: التوكل على الله، والتصديق بوعده بالإخلاف والبركة، واليقين بأنه سبحانه هو الرزاق، وبيده مفاتيح السماوات والأرض. قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39][1].
وقال سبحانه:
﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245][2].
كما أن الإيمان بالآخرة، واستحضار ما فيها من ثوابٍ وعقاب، يهوِّن على النفس البذل، ويجعل العبد ينظر إلى الصدقة على أنها تجارة رابحة مع الله، لا خسارة دنيوية. وقد قال النبي ﷺ:
«ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع عبدٌ إلا رفعه الله»[3].
والصدقة ليست مجرد إنفاقٍ للمال، بل هي تطهير للنفس من الشح، وزكاةٌ للمال، وبركةٌ فيما يبقى منه. وهي سببٌ في إدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، ونورٌ للعبد في قبره، ووقايةٌ له من النار. قال ﷺ:
«إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته»[5].
وقال ﷺ:
«يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»[4].
ومن أعظم ما يعين على البذل أيضًا: تذكّر الموت، وأن ما يُخرجه الإنسان في حياته هو الذي يبقى له، أما ما يُمسكه فسيتركه لغيره. قال تعالى:
﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270][6].
فإذا استحضر العبد هذه المعاني، وجرّب العطاء ولو مرة، رأى أثره في بركة ماله وطمأنينة قلبه، فلم يشعر بنقص، بل ازداد يقينًا وثقةً بربه. وحينها يدرك أن الصدقة ليست فقدًا، بل هي في حقيقتها نماءٌ وزيادة، وأن ما يخرجه لله هو الذي يبقى له عنده.
فالصدقة باب رزق، وراحة قلب، ونجاة في الآخرة؛ ومن جاهد نفسه عليها، فتح الله له من الخير ما لم يكن يحتسب.
[1] سبأ: 39.
[2] البقرة: 245.
[3] أخرجه مسلم (2588) باختلاف يسير.
[4] أخرجه ابن ماجه (4003) واللفظ له، ومسلم (79)، وأبو داود (4679)، وأحمد (5343) جميعًا باختلاف يسير.
[5] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3484).
[6] البقرة: 270.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق