وسيلة الثبات في زمن الفتن


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لقد تغيّر الزمان كثيرًا في السنوات الماضية، ومرّت على الأمة فتنٌ عظيمة، من انقسامات وتشتّت وحروب، ثم زاد على ذلك الفقر والمرض والجوع. وكل واحدة من هذه كفيلة بأن تضعف الأمة وتُنهك قواها. وهذا من جملة الابتلاءات التي أخبر بها النبي ﷺ.

فقد قال ﷺ:
(لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل)[1].
وقال ﷺ:
(يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)[2].

وها نحن نرى شيئًا من ذلك واقعًا حولنا؛ فقد كثرت الحروب، وسُفكت الدماء، ومات الناس أفواجًا، وانتشرت الأمراض والمجاعات، وتغيّرت أحوال كثير من الناس، وساءت أخلاقهم، وضعفت الأمانة، وكثرت الجرائم والظلم، حتى صار المال عند كثيرين مقدّمًا على الدين والآخرة.

وأصبح المتمسّك بدينه كأنه في بحرٍ متلاطم الأمواج، تتقاذفه الفتن من كل جانب، ويخشى أن يغرق في غمراتها. وقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذا الزمان، فقال:
(يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)[3].
وقال ﷺ:
(لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه)[4].

فما السبيل إلى النجاة؟ وكيف يثبت المسلم على دينه في زمن الفتن، حتى يلقى الله بقلب سليم؟

إن الجواب بيّنه النبي ﷺ بيانًا واضحًا، فقال:
(بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)[5].

فهذه هي وسيلة الثبات والنجاة: المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل اشتداد الفتن، والإكثار من الطاعات التي تثبّت القلب وتقوّي الإيمان.

فليبادر المسلم إلى:

  • المحافظة على الصلوات في أوقاتها

  • تلاوة القرآن وجعل له وردًا يوميًا

  • الإكثار من الذكر والاستغفار

  • الصدقة ولو بالقليل

  • صلة الرحم وبرّ الوالدين

  • ملازمة أهل الخير والبعد عن مواطن الفتن

فالزمن يمضي سريعًا، والفتن تتتابع، ولا نجاة للعبد إلا باللجوء إلى الله والاعتصام به.

ففرّوا إلى الله، وتمسّكوا بدينكم، واثبتوا على طاعته، لعلّ الله أن ينجّينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


[1] أخرجه مسلم (157)، والبخاري (1036) مطولًا باختلاف يسير.
[2] صححه الألباني، وأخرجه أبو داود (4297)، وأحمد (22397)، وابن أبي شيبة (38402).
[3] صححه الألباني في صحيح الجامع (8002)، وأخرجه الترمذي (2260).
[4] أخرجه مسلم (157).
[5] أخرجه البخاري (118).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق