سباق الخيل

يُعَدُّ سباقُ الخيل من الرياضات القوية التي تجمع بين المهارة والشجاعة، وله عشّاقه من الفرسان ومحبي الإثارة. ويبدو في نظر كثيرين رياضةً خاصةً بالأغنياء؛ لما تتطلبه من تكاليف عالية في شراء الخيل والعناية بها، إذ تحتاج إلى رعاية دقيقة وخبرة وعمالٍ مختصين، وهو ما لا يتيسر لكل أحد.

غير أن هذه الرياضة لم تكن يومًا مجرد ترفٍ أو مظهرٍ من مظاهر الرفاهية، بل كانت في تاريخ المسلمين وسيلة إعدادٍ وقوة. فقد كان الصحابة رضي الله عنهم فرسانًا، يركبون الخيل في الجهاد، ويُدرَّبون عليها إعدادًا لنصرة الدين. وقد شُجِّع على تعليمها للأبناء، لما فيها من بناءٍ للقوة وتنميةٍ للمهارة. ورُوي عن عمر رضي الله عنه موقوفًا: (علِّموا أولادَكُم الرِّمايةِ ورَكوبَ الخيلِ والسِّباحة)[1].

وجاء في الفقه الميسر: "السَّبَقُ ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النِّضال، فمن سبق أخذه... وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع"[2]. قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)[3]. وثبت أن النبي ﷺ سابق بين الخيل المُضَمَّرة، وقال ﷺ: (لاَ سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ)[4]. والخف: البعير، والنصل: السهم، والحافر: الفرس[5].

ومع ما في سباق الخيل من متعةٍ وإثارة، فإنه لا يخلو من المخاطر؛ فقد يتعرض الفارس للسقوط وما يترتب عليه من إصابات، أو لركلةٍ من الفرس قد تكون شديدة، بل قد يتصرف الفرس أحيانًا بشكلٍ مفاجئ يوقع الراكب في الأذى. وقد شهدت بعض الحوادث المؤلمة التي نُشرت في وسائل الإعلام، ومنها إصابة عاملةٍ في أحد المضامير بعد أن ركلها حصان سباق[6].

كما أن تربية الخيل والعناية بها مسؤولية كبيرة، تتطلب جهدًا ووقتًا ومالًا، وقد يصعب على الفرد القيام بها بمفرده. لذلك فإن الإقدام على هذه الرياضة ينبغي أن يكون عن وعيٍ وبصيرة، مع اتخاذ أسباب السلامة، ومراعاة القدرة والاستطاعة.

والمؤمن ينظر إلى الأمور بميزانٍ متوازن؛ فيأخذ منها ما يعينه على القوة والنفع، ويتجنب ما يغلب فيه الضرر أو يشغله عما ينفعه في دينه ودنياه. فليست العبرة بمجرد المتعة، بل بحسن التقدير، واستحضار المقصد، واختيار ما يقرب إلى الله وينفع العبد في عاجله وآجله.

[1] خلاصة حكم بن باز: أظنه من عمر، موقوفاً وليس مرفوعاً، الفوائد العلمية من الدروس البازية 5/320

[2] الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، الباب السابع عشر: المسابقة، ج١، ص٢٥٧ (بتصرف يسير).

[3] الأنفال ٦٠.

[4] أخرجه أبو داود (2574) واللفظ له، والترمذي (1700)، والنسائي (3585) باختلاف يسير.

[5] الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، الباب السابع عشر: المسابقة، ج١، ص٢٥٧ (بتصرف يسير).

[6] مشهد صادم.. حصان سباق يركل مربية خيول بمضمار ريدكار، جريدة البيان الإلكتروني، ٩/٧/٢٠٢٦م.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق