عزوف الفتيات والشباب عن الزواج

عزوف الفتيات والشباب عن الزواج

بقلم منال محمد أبو العزائم

من المشاكل الاجتماعية التي ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة عزوف الفتيات والشباب عن الزواج. وهو أمر دخيل على مجتمعاتنا ولا يتماشى مع ديننا الحنيف، الذي يدعو إلى الزواج وإتمام الدين واعفاف النفس بالنكاح الشرعي والبعد عن مواطن الفتن وعن التبتل والعزوف عن الزواج. وقد كان في الماضي الزواج مطلب لمعظم الشباب لاسيما الفتيات، وأما اليوم فقد تبدل الحال وصار الحلال أبعد ما تفكر به كثير من الفتيات، وكم من شاب يبحث عن زوجة صالحة ولا يجد من يستجيب له، وكم من فتاة تبحث عن زوج صالح ولا تجد. وما ذلك لقلة النساء والشباب، بل لعدم الجدية والاستهتار بأمر الزواج. وهذا نابع من ضعف الدين وسهولة الحرام بسبب خروج الفتيات للعمل وانتشار الاختلاط والصداقة بين الجنسين وانعدام الوازع الديني. وهذا من تبعات العلمانية وأفكارها المسمومة في الجيل الجديد، وإهمال الآباء والأمهات تربية الأبناء على الطاعة والاستعفاف عن الحرام. فتجدهم يحثون بناتهم على التعليم والحصول على شهادات عالية ثم التقديم للعمل، وينسون نصحهن على البعد عن الحرام وإرشادهن إلى أهمية الحياة الأسرية والاستقرار النفسي والعاطفي بالزواج الشرعي الذي حثنا عليه ديننا الحنيف.

الأسباب

إن من أسباب ظاهرة العزوف عن الزواج في هذه الحقبة ناتج من عوامل عديدة، متداخلة ومرتبطة إحداها بالأخرى، وسنتطرق لبعضها فيما يلي:

النسوية وحركة تحرير المرأة

من الأسباب التي ساهمت في ظهور هذه الظاهرة وانتشارها حتى صارت أشبه بالداء الذي تفشى في عصرنا الحالي هو النسوية. وهي نتاج حركة تحرير المرأة التي تبعتها الكثير من النساء. وتلك هي الثمرة التي رمى لها من دبر وخطط ونفذ لإنجاح هذه الحركة. ولكم تعاني مجتمعاتنا الآن من تبعاتها حتى صار إيجاد زوجة صالحة مطيعة لزوجها وربها أمر صعب ويحتاج صبر وعناء. وقد كان في الماضي معظم بنات المسلمين تمثل تلك الصالحة الطيبة النقية التي تلزم دينها وطاعة ربها. لا تخالط الرجال ولا تقلع حجابها ولا تستهتر بزوجها أو تعاليم دينها. تلك التي تتطلع لأن تعف نفسها بالحلال ولا تنظر للحرام. وهذا نتاج تلك الحركة اللعينة التي أفسدت على الناس حياتهم وخربت معتقدات النساء وصعبت عليهم حياتهم وأبعدتهم عن طريق الله. وصار المعتقد الذي يسيطر عليهن هي تلك الفكرة المغلوطة بأن الإسلام يحارب المرأة وينتقصها حقوقها ويأمر بتركها جاهلة حبيسة الدار. وهذا كله من صنع أعداء الإسلام وخلطهم للأمور حتى يألبوا الناس عليه ويفسدوا على المسلمين حياتهم. والحق الذي لا خلاف فيها أن الإسلام يدعو الناس رجالاً ونساء للعلم والتعلم، الذي أمرنا به نيبنا الكريم ﷺ، حيث قال: (الدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكرَ اللهِ وما والاه، وعالِمًا أو متعلمًا)[1]. والإسلام حفظ للمرأة حقوقها كاملة، وأعطاها ما لم تعطيها النسوية والعلمانية. وعندما فضل لها البيت فلأجل راحتها وحفظها والتخفيف عنها. وها هي اليوم تكدح في الخارج والداخل وليس لها حق في الراحة كما لغيرها.

التأثر بالإعلام الفاسد:

         الاعلام الفاسد ساهم في انتشار ظاهرة العزوف عن الزواج، وذلك من خلال الترويج لفكرة أن الزواج مسؤولية كبيرة، وأن الأفضل تأخيره أو تجنبه، وأن تربية الأطفال صعبة ومكلفة ويجب تقليل عددهم لتفادي الفقر والفاقة. وهذا من قلة التوكل والاعتماد على الله وعدم التصديق بوعده. فقد وعد سبحانه وتعالى بالتكفل برزقهم، حيث قال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)[2]. ولكم رأينا أبواب الرزق تأتي معهم. ولو رجعنا لمفهوم الرزق نجده لا يحد بعدد ولا عمل، بل يأتي من الله كما يشاء ويقدر. والدليل أن تجد أحيانا الأسرة التي لديها عشرة أطفال لديهم أكثر مما لدى التي لديها اثنان. وأن الغني الذي ينام ويلعب لديه أكثر ممن يعمل في وظيفتين أو أكثر، وهكذا. فالرزق من الله، ونحن علينا العمل لكسبه والتوكل على الله. ولا نقلق بشأنه ونترك الزواج وإنجاب الأطفال لأجله.

الجهل بتعاليم الدين ومقاصد الشريعة

         الجهل بتعاليم الدين من الأسباب التي ساعدت على انتشار هذه الظاهرة، وذلك لأن الذي يعرف دينه يدرك أنه حثنا على الزواج في أكثر من موضع، فقد قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[3]. وقال ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه له وِجَاءٌ)[4]. ولقد أثبتت الحياة أن الزواج أفضل للرجال والنساء معا، وأن به من الفوائد ما ليس في غيره. وهذا هو دأب الشريعة الغراء، التي ترمي لمصلحة البشر وحفظهم.

عمل المرأة:

         خروج المرأة للعمل قد غير كثيرا في مجتمعاتنا، ورغم أنه فتح للنساء فرص للكسب وساعد في النمو الثقافي والعمراني للدولة، إلا أن المفاسد التي أتت منه على المجتمع كانت أكبر من الفوائد. وذلك لأن البيئة التي نتجت منه كانت مليئة بالمعاصي والمنكرات، مثل الاختلاط الفاحش والتبرج والنظر الحرام والتخبيب والطلاق وانتشار الزنا والفواحش. بالإضافة إلى تقليل فرص العمل للرجال وتأخر سن الزواج أو تركه بالكلية. والعمل في حد ذاته عبادة سواء للمرأة أو الرجل، ولو توفر للمرأة جو يتلاءم مع التعاليم الإسلامية خال من الاختلاط الفاحش والتبرج والسفور والمنكرات وكان لديها الوقت الكافي لأن تواءم بين عملها وبيتها وزوجها لا يمانع فلا بأس به خاصة إن كانت بحاجة للمال. وإن كان الأفضل لها بيتها حتى لا تتكاثر عليها الواجبات فتقصر في حق بيتها أو عبادتها، وتكون بذلك ابدلت ما هو خيار بما هو واجب. فتعاقب على تقصيرها في الآخرة. وذلك لأن الأهم لها في الدنيا هو أداء عبادتها وطاعة زوجها. وليس هناك بشارة لها أكثر من هذا الحديث، حيث قال ﷺ: (إذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَتْ فرجَها، وأطاعَت زوجَها، قيلَ لها: ادخُلي الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ)[5]. وهذا من رحمة الله تعالى بها، حيث علم بضعف بنيتها وأنها تتعب بسهولة، وأنها حساسة وتتألم من أشياء يتحملها الرجل بسهولة، مثل زحمة الشوارع وحرارة الشمس والأصوات العالية والغبار والمطبات وحوادث الطريق. هذا غير ما يمكن أن تتعرض له من أذى البشر من معاكسات وشجار وربما تعليقات سخيفة في أماكن العمل. وقد يصل الأمر إلى السرقة والخطف والاغتصاب. وعادة ما يكون أذى البشر أسوأ من غيره ... لأن أذاهم خطره قد يفوق صعق البرق وهجوم الأسود وقرص الثعابين. وللبرهان على ذلك سأكتفي بنقل عنوان الخبر التالي من أحد الجرائد الإلكترونية، وهو: "اغتصبها وقتلها ... تفاصيل صادمة في واقعة مقتل طالبة الشرقية على يد زميلها "[6]. وهذا مثال واحد للأذى الذي تعرضت له هذه الفتاة من البشر. ولو كانت في بيتها لكانت تنعم بالراحة والرفاهية. ولكنها أتت في زمن يفرض عليها العمل والخروج واللهث وراء الكسب، في حين أن هذا حقها من وليها سواء كان زوجها أو والدها أو خلافه. ولكن النسوية خدعتها وأقنعتها بأنها لابد أن تترك راحة بيتها لتلهث وراء ما هو أصلا لها. فيا لخسارة من تبعتها ... ستشقي نفسها فيها ليرتاح غيرها. قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[7]. ولعل الرجال جميعا يعرفون هذا الحق الذي لا خلاف فيه، ومع ذلك منهم من يطالب زوجته بالعمل والمساعدة في مصاريف البيت. وهذا خلاف هدي النبي ﷺ إن لم يكن هناك حاجة لهذا. أما فقط لأجل الطمع والجمع فهو يظلم زوجته ونفسه، كما أن الأطفال سيكونون أكثر من يتأذى بذلك العمل.

انتشار الاختلاط والعلاقات المحرمة:

         من أسباب عزوف الشباب والفتيات عن الزواج هو انتشار العلاقات المحرمة وسهولة الوصول إليها. فمع الانفتاح في تقنية المعلومات وسهولة التواصل بين الجنسين عبر برامج التواصل الاجتماعي وبرامج الموبايل وكذلك في أماكن العمل والدراسة صار من السهل بناء مثل هذه العلقات المحرمة دون الحاجة لعقد زواج أو تواصل مع الأهل. فالبنت والشاب يتواصلان مباشرة ويقضيان الساعات في الكلام. وقد تستمر هذه العلاقات لشهور أو سنين وقد تنتهي أو لا تنتهي بالزواج. وفي معظم الأحيان تكون لمجرد التسلية وتمضية الوقت. وهذا كله في معصية الله وجالب لسخطه. قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)[8]. وهذه الآية نزلت في حق أمهات المؤمنين ... وهن أتقى نساء هذه الأمة وأعلاهن درجة وأكثرهن إيماناً؛ ومع ذلك فضل الله لهن عدم الاختلاط. فكيف يكون الحال بمن هن دونهن من نساء هذا العصر، اللاتي لا ينزلن بمرتبتهن وليس لهن من الفقه والإيمان ما لدي زوجات النبي ﷺ. وإذا كان الله تعالى قد حرم النظر والمصافحة، فماذا عن العلاقة التي بها نظر ومصافحة وكلام بالهواتف وربما لقاءات. فذلك إذن أشد تحريما بالقياس ... ولكن الإعلام يبسط الأمر ويجعله يبدو وكأنه أمر عادياً لا حرج فيه ما داما لم يرتكبان زنا ومتعاهدان على الزواج. وهذا خطأ فادح ناتج من مشاهدة المسلسلات والأفلام التي تروج للحرام ويشاهدها المسلمون في بيوتهم كل يوم. قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[9]. وفي هذه الآية أمر بإخفاء الزينة ومع ذلك تجد الخارجات للعمل يضعن الزينة والعطور ويلبسن الملون الزاهي من الثياب، وكأنهن يضربن بأوامر الله عرض الحائط. وفي نفس الوقت تجد الواحدة منهن تقابل زوجها بمظهر بائس ولا تقوم بحقه وليس لها سوى الضجر والمشاكل ... وهذا لما يصيبها من الإرهاق وتعب الأعصاب في أماكن العمل. وكذلك من الشباب من لا يتوانى عن النظر والكلام مع الفتيات والتسكع واللعب معهن وبهن. فلا صلاة له ولا إعفاء لحية ولا دروس وعظية ولا علم ولا شيء. بل رؤوسهم خاوية والغفلة والضياع تغطي قلوبهم.

انقلاب مفاهيم الأولويات:

         من الأسباب أيضا انقلاب في مفهوم الأولويات عند الشباب وحتى الأهل والمجتمع. فصار الحصول على شهادة جامعية ووظيفة أهم ما يشغل الناس، وصارت العوائل تنشأ أبنائها وبناتها على هذا المفهوم مع إهمال الجانب الديني. فلا أحد يهتم لآخرة ولا دخول الجنة، وكان حريا بهم أن يجعلوا هذا هو المطلب الأهم في حياة أبنائهم وبناتهم. وذلك للبعد عن الإسلام والغفلة عما ينتظرنا من حساب وسؤال. ولنسمع ما يقول ربنا عن حال مثل هؤلاء في ذلك اليوم، حيث قال تعالى: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)[10]. ولا يعني هذا أن نترك أمر الدنيا ونهمل العمل فيها، ولكن لا نجعلها غايتنا التي لا غاية بعدها، وهدفنا من العمل ... ونهمل أمر الآخرة ونترك العمل لها. فلا نكترث بالمعاصي لأجل تحصيل المال أو الوظيفة. بل نعمل كما أرشدنا النبي ﷺ، حيث قال: (إنَّ هذا الدينَ يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبهُ، فسدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا ويسِّروا واستعينُوا بالغَدوةِ والروحةِ وشيءٍ من الدُّلجةِ)[11]. وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[12]. فهدي النبي ﷺ هنا أن نحاول جهدنا في طاعة الله ولا نتواكل ونسعى لطلب الرزق الحلال بعيدا عن المعاصي والشبهات. وعلينا في كل حال ألا نقدم معصية على طاعة. وبعد ذلك علينا التوكل على الله ودعائه والاستعانة به في كل أمورنا. قال ﷺ: (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا)[13].

الخوف من المسؤولية ومصاريف الأطفال:

         من أسباب هذه الظاهرة انتشار فكرة أن الزواج يربط الإنسان ويحبسه ويمنعه من السعادة والحرية، وأن الأطفال مسؤولية صعبة ومكلفة والأفضل تأخير الزواج وتقليل عدد الأطفال لتقليل التكلفة وما إلى ذلك. فترسخت هذه الأفكار في الجيل الجديد وكبروا معها فصار التخلص منها صعب. وما ذلك إلا لضعف الإيمان وعدم التصديق بوعد الله أو التوكل عليه. فقد وعدنا سبحانه بالتكفل برزق الأبناء، حيث قال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)[14]. كما وعد سبحانه بتيسير الأمر لطالب النكاح، وبسعة الرزق والغنى. والمسلم ينبغي أن يرسخ في نفسه أن الرزق من الله، وعلينا طلبه باعتدال، لكن لا نجعله الهم الشاغل لنا ... لا نفكر إلا به ونقدم طلبه على طلب الآخرة. فهذا فكر علماني وبعيد عن مفاهيمنا الإسلامية. وأما الزواج وتربية الأطفال فنعم مسؤولية وتحتاج مصاريف كثيرة إلا أن بها من المتعة ما ليس في غيرها. وحتى تجد الإنسان الذي كان يستصعب ذلك قبل الزواج يراه بعده هين ويستأهل كل تعب وكل مال. ويرى ثمرته في ابتسامة أطفاله والسعادة الأسرية والسكينة والحب الذي يحيط عائلتة إن نشأت في طاعة الله. قال ﷺ: (الدُّنيا متاعٌ وخيرُ متاعِها المرأةُ الصَّالحةِ)[15]. وقال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[16]. فالزوج أو الزوجة والولد هم السعادة وزينة الحياة الدنيا وأنسها.

ضعف الوازع الديني:

         العزوف عن الزواج يعكس ضعف الوازع الديني عند الجيل الجديد. فالمسلم الملتزم يعلم أن الزواج هو طريقه ليحفظ نفسه عن الفتن والوقوع في الفواحش والمهلكات. وأما المستهتر قد لا يهمه الأمر كثيرا إذ يجد الحرام في كل مكان، فيقابل من يقابل هنا وهناك ويواعد من يواعد ولا يخشى على نفسه شي. وقد أمرنا النبي ﷺ بالتحصن بالزواج والبعد عن الفتن والمهلكات، فقال: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ)[17]. وهذا يبين أن الأفضل للمسلم للبعد عن الفتن التي تكاثرت على الناس وأصبح القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار، تماما كما وصف نبينا الكريم ﷺ. ولذا نجد أن الزواج اليوم أهم مما كان في الماضي. ومن الغريب أن تلاحظ سهولة الحرام وتوافره مع صعوبة الحلال وقلته في هذا العصر، حيث تجد طلاب الزواج لا يجدونه بسهولة وذلك لكثرة الفساد والفجور. قال ﷺ: (بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا)[18].

ضعف شخصية ولاة الأمر

         ومما زاد الأمر سوءً ضعف شخصية ولاة الأمر، حيث خرجت المرأة للعمل مما أدى إلى استقلاليتها عن الرجل ومن ثم بدأت بأخذ قراراتها بنفسها. فما أن صار لديها دخل يخصها ظنت بأنها يمكن أن تعيش بدون زواج وأن المال يمكن أن يحميها ويسد حاجتها النفسية. ولكن ذلك لم يكن صحيحا لما نتج عنه من انتشار العلاقات المحرمة التي تجحف بحق المرأة وتكون هي الخاسرة فيها في معظم الأحيان. بالإضافة إلى خسران دينها وحشمتها وما إلى ذلك. ولو كان ولي أمرها قوي الشخصية ومنعها من ذلك لما دخلت في تلك المعارك الساقطة وخسرت ما خسرت فيها. قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)[19]. قال ﷺ: (أيُّما امرأةٍ نُكِحت بغيرِ إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ نِكاحُها باطلٌ، ولها مهرُها بما أصاب منها، فإنِ اشْتجروا فالسلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له)[20]. فوجود الولي شرط في الزواج، وضرورة لضمان حفظ حقوق المرأة وحمايتها. ولكم من الفتيات ضاعت حقوقهن عندما تولين تزويج أنفسهن.

صعوبة الوضع المادي

         صعوبة الوضع المادي وقلة الإمكانيات قد تدفع الشباب للعزوف عن الزواج. وهذا نراه كثيرا في هذا الجيل؛ حيث تجد الشاب لا يجد عمل، والفتاة تعمل بدخل بسيط، ودخليهما معا ليس كافي لإيجار أصغر شقة ممكنة. فيبث ذلك فيهم اليأس فيتركان فكرة الزواج وربما يلجأن للحرام بدلا منه. وهذا لا ينبغي أن يكون مانع للزواج، لأن الزواج نفسه سبب للرزق. ومن يريد الستر لبناته لن يغالي في المهور ويبالغ في إقامة الولائم وجهاز العرس وما إلى ذلك. فقد قال ﷺ: (إنَّ مِن يُمنِ المَرأةِ تَيسيرَ خِطبَتِها، وتَيسيرَ صَداقِها، وتَيسيرَ رَحِمِها)[21]. وقال تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[22]. ولقد رأينا كثيرا ما يبدأ الزوجان من الصفر ويكبرا معا، حتى يمتلكان البيوت والممتلكات، وذلك من البركة التي جعلها الله في الزواج ورزق الأبناء.

كثرة الطلاق:

         من أسباب العزوف عن الزواج كثرة الطلاق والمشاكل فيه، مما جعل الكثير من الشباب والفتيات يفقدون الثقة فيه. والطلاق أبغض الحلال إلى الله، وبه يتشرد الأطفال ويفقدوا حنان أحد أبويهم أو كلاهما. ولذا على الانسان أن يصبر ويتعلم كيف يتخطى المشاكل ويواصل عجلة الحياة بعدها. ولعل من أنجع الأساليب عند الشجار والغضب الصمت والانفراد لبعض الوقت، حيث تجد بعدها المشكلة ذابت كذوبان الجليد. والوقت دواء والليل سكون ورحمة والكلمات الطيبة بلسم لكل جرح والصبر عجلة يسوق عليها الزوجان ليتخطوا كل المشاكل والصعاب. وعلى الزوج والزوجة المداراة والتغافل والنقاش البناء والتفاهم المنطقي بينهما. قال ﷺ: (إِنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقامَةَ الضِلَعِ تكْسِرُهَا، فدارِها تَعِشْ بِها)[23].

فوائد للزواج

للنكاح فوائد عديدة، بدنية ونفسية وعملية. ففيه أنس وسكينة واستقرار نفسي وعاطفي وبدني، وبه تنشأ الأسر وتتكاثر الأمة وتحدث الألفة بين الناس والقبائل ويصير الأغراب أهل وعشائر. وهو عبادة يؤجر عليها الإنسان. ومن المدهش ورود سؤال بديهي من بعض الفتيات والشباب، كنا في الماضي نعرفه بالسليقة، ولكن هذا الجيل الجديد ليس كذلك. ألا وهو "لماذا نتزوج؟ أو ما فائدة الزواج" أو "أنا لا أحتاج أن أتزوج" أو "بدري على الزواج" أو غيرها من الصيغ التي تنكر الحاجة للزواج! وهذا يعكس مدى ضعف الوعي عند هذا الجيل وبعدهم عن سيرة النبي ﷺ، وعن الفطرة السوية والتفكير المتزن. وللإجابة عليه سنرجع لأمور بديهية ومعروفة في ديننا، باعتبار مخاطبتنا لهم.

الزواج سنة وأمر رباني:

الزواج سنة النبي ﷺ، وأمر رباني. ولأجله خلقت أمنا حواء لتكون زوجة لسيدنا آدم عليهما السلام. قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[24]. وجاء في الحديث: (إنَّ رهطًا من الصحابَةِ ذهبوا إلى بيوتِ النَّبِيِّ يسألونَ أزواجَهُ عن عبادتِهِ فلمَّا أُخبِرُوا بها كأنَّهُم تقالُّوها أي: اعتبروها قليلةً ثُمَّ قالوا: أينَ نحنُ مِن رسولِ اللَّهِ وقد غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ؟ فقال أحدُهُم: أما أنا فأصومُ الدَّهرَ فلا أفطرُ وقال الثَّاني: وأنا أقومُ اللَّيلِ فلا أنامُ وقال الثَّالثُ: وأنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ بيَّنَ لهم خطأَهم وعِوَجَ طريقِهِم وقال لهم: إنَّما أنا أعلمُكُم باللَّهِ وأخشاكم له ولكنِّي أقومُ وأنامُ وأصومُ وأفطِرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي)[25]. هذا غير فوائده الكثيرة التي سنتطرق لبعضها فيما بعد. وقد كان للنبي ﷺ من الزوجات العديد، ولو لم يكن الزواج خير للبشر لما فعله خير البرية.

المودة والرحمة

         الزواج مودة ورحمة، يجد فيه الانسان ضالته من البشر ورفيق روحه الذي يلزمه، يعيش معه الحياة بأفراحها وأتراحها، ويقف معه في الملمات ويرعاه عند مرضه ويخفف عنه عند ألمه ويسكن إليه عند قلقه ويأمن معه عند خوفه ويحادثه عن زهجه ويؤنسه عند ملله. رفيق الروح الذي لا يمل منه ولا يشبع، الذي لا يبدله بغيره ولا يرتاح الا بوجوده. ذلك الرفيق الذي قسمه واختاره الله لك قبل أن تولد، وجعله لك الاهل والزوج. والذي جعل الله حسن رفقته عبادة ومعه تحلو الحياة وتزدان. هو ذلك الإنسان المقرب إليك والحبيب الدائم، الذي يحزن لحزنك ويفرح لفرحك ويغضب لأجلك ويصبر بصبرك. وهذا في حد ذاته آية من آيات الله. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[26]. وأنقل هنا مقتطفات من شعر على في السيدة فاطمة الزهراء، حيث قال فيها: 

"حظيت يا عود الأراكِ بثغرها ... أما خفت يا عود الأراك أراكَ

لو كنت من أهل القتال قتلتك ... ما فاز مني يا سِواكُ سِواكَ

وقال في فراقها: 

شيئان لو بكتِ الدّماء عليهما ... عيناي حتّى تؤذيا بذهابِ

لم يبلُغِ المِعشارَ من حقَيْهما ... فقد الشّبابِ وفُرقةُ الأحبابِ

ورثاها عند قبرها بقوله: 

حبيبُ ليس يُعدُله حبيبُ ... وما لسواه في قلبي نصيبُ

حبيبٌ غاب عن عيني وجسمي ... وعن قلبي حبيبي لا يغيبُ"[27].

رضي الله عنهما وأرضاهما.

الجد في طلب الآخرة:

من فوائد الزواج الجد في طلب الآخرة، حيث يصير المرء أكثر استقراراً وجدية وينتهي أو يقل عنده التطلع للهو الحياة. فيزداد قيامه بالأعمال الصالحة وإصلاح النية والأعمال القلبية. فتجد الشاب الذي كان يقضي الساعات في اللعب صار لا يفوت صلاة الجماعة، والبنت التي كانت تلهو مع صديقاتها قد التزمت بحجابها وصلاتها.

العفة والاستعفاف:

         الزواج هو الطريق السليم لتنظيم العلاقة بين الجنسين بطريق حلال يفي بالغرض ويحفظ صاحبه. وهو الطريق الذي أرشدنا إليه ديننا الحنيف لتحقيق الاستعفاف، وجعله لنا عبادة. قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚوَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[28]. وقال ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه له وِجَاءٌ)[29].

إنجاب الأبناء

         الزواج هو الطريق الصحيح لإنجاب الأبناء، وتنشئتهم في بيئة محافظة ونقية. حيث يجد الطفل الرعاية التي يحتاجها من أبوية ويتمتع بوجودهما معاً. ولقد سمعنا عن الظروف القاسية التي يكبر فيها أبناء الزنا، حيث يعانون الأمرين في دور الأيتام، أو مع أحد الوالدين، أو في الشوارع. وفي كل ذلك عذاب للطفل وعرضة له للأذى والأمراض.

النضوج العقلي والبدني

         الزواج يجعل الانسان ذو هدف وغاية يعمل لأجلها؛ ولذا تجد الشاب الذي كان لا يهتم لشيء ويضيع وقته هنا وهناك في الماضي صار رجلا ناضج يحمل مسؤولية عائلته ويعمل بجد لأجل توفير حاجتها. فترك اللعب والاستهتار وإهدار الوقت وصار جاد في شخصيته، وترك التسكع مع الصبيان واللعب وتضييع الوقت، وصار رجلا بمعنى الكلمة ... يعتمد عليه ويعول في الصعاب. وكذلك البنت التي كانت مدللة وليس لديها مسؤولية في بيت أبيها وصارت زوجة مسؤولة من بيتها، فصارت ترتب وتدبر فيه ليصير مملكتها الجميلة. وصار لها زوج تهتم لأمره، وأطفال وصية عليهم وتدير شؤونهم. فتركت اللعب والدلال وتضييع الأوقات مع الصديقات وصارت جادة في حياتها تتدبر وتخطط لأسرها وابنائها.

البركة في الرزق

         الزواج يزيد من البركة في الرزق، قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[30]. وقد لمسنا هذ كثيرا في أرض الواقع، حيث تجد شابا معدما بالكاد يوفر شيء من مرتبه، وصار بعد زواجه ومرور سنين من أغنى الناس وفتحت له أبواب الرزق من حيث لا يدري.

اللذة المشروعة

         لقد شرع الله تعالى الزواج للناس ليقضوا حاجتهم من النكاح ويحصنوا أنفسهم من الزنا، الذي هو من الكبائر. قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)[31]. فالزواج يشكل حصن منيع وحل دائم للإنسان متاح له في كل وقت ما دام زوجه/زوجته معه، وليس كالحرام الذي لا يتوفر إلا بعناء وفي أوقات محددة. ولذا فهو الحل الأمثل، لا سيما لمن يكون شديد الشهوة؛ ولا عيب في ذلك؛ فقد ذكر علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - ذلك عن نفسه ولم ينكر عليه النبي ﷺ، وذلك في قوله: (كُنتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وكُنتُ أستَحيي أن أسألَ النَّبيَّ ﷺ لمَكانِ ابنَتِه، فأمَرتُ المِقدادَ بنَ الأسودِ فسَألَه، فقال: يَغسِلُ ذَكَرَه ويَتَوضَّأُ)[32]. والجماع حاجة بدنية من الفطرة، وله فوائد نفسية وطبية كثيرة، ففيها استرخاء وتفريغ للتوتر العصبي والبدني، وإشباع للغرائز واللذة الحلال. وفوائده الطبية تشمل: "تعزيز جهاز المناعة، وتحسين الرغبة الجنسية، والوقاية من تقلصات عضلات الحوض، وتعزيز اللياقة البدنية، وتقليل مخاطر النوبات القلبية، وتخفيف الألم، وتحسين نمط النوم، وتخفيف التوتر"[33].

السكن والطمأنينة والأنس

         الزواج سكن وطمأنينة وأنس واستئناس وتسلية، يكسر صمت الوحدة ومرارتها ويملأ الدنيا أنسا وفرحا، بالرفيق والأطفال. ولقد خلق الله تعالى حواء من ضلع آدم لتؤنسه وتكون رفيقته. وكذلك الزوجة أنيسة يجد فيها زوجها الحبيبة والانيسة والصديقة ورفيقة الدرب. والزوج أنيس تجد فيه زوجه الدفء والأمان. وهذه آية من آيات الله تعالى، الذي قال في كتابه العزيز: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)[34]. وبرهان ذلك تراه عند سفر الزوج أو الزوجة والأولاد ... يشعر فيه المرء بفراغ كبير وغربة لا يشفيها زيارة الأصحاب ولا الجيران. وهذه علامة على الآية المذكورة.

الاستقرار النفسي والبدني:

الزواج يساعد المرء على الاستقرار النفسي والبدني، حيث يشعر بأن لديه أسرة صغيرة تخصه وينتمي إليها، وهناك شريك له في هذه الحياة يخلص له ويقود معه عجلة الحياة بتعبها وراحتها وحزنها وفرحها. فيستقر نفسيا وعاطفيا وحتى مادياً.

نيل العون من الله

والله تعالى يعين طالب النكاح لأجل العفاف. قال رسول الله ﷺ: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)[35]. ومن المدهش أن النصيب عندما يأتي تجد كل شيء يمر بسهولة ويسر وأن كل صعب أصبح ميسر وتم الزواج بسرعة وسهولة، كأن قوة خارجية تدفعه دفعا للأمام والتمام. وهذا هو العون من الله الذي يدبر الخير لنا ويوفقنا له وييسره لنا. قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[36]. وكثيرا ما تجد الأقارب والأصدقاء والجيران يشاركون بمساهمات مادية لمساعدة العروسين، والتي قد تصل أحياناً إلى مبالغ كبيرة. وهذا غير الهدايا والدعم ومن أسرتي العروسين.

الجد في العمل

         من فوائد الزواج الجد في العمل وطلب الكسب الحلال. فقبل الزواج يكون أمر العمل خيار بالنسبة للشاب ولا يجتهد كثيرا في تحصيله، وبعده يصير أمرا مهما له ويتغير سلوكه نحوه فيصير أكثر جدية واجتهاداً في تحسين خبراته والبحث والتقديم والتطلع للحصول على فرص أفضل وذات دخل أكبر. والعمل عبادة إذا صحت النية فيه، وسنة النبي ﷺ والأنبياء من قبله. قال ﷺ: (ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ خَيرًا مِن أن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِه، وإنَّ نَبيَّ اللهِ داوُدَ عليه السَّلامُ كان يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِه)[37].

ادخار المال ونموه:

من فوائد الزواج ادخار المال ونموه. فتجد المرء قبل الزواج لا يدخر شيئا وينفق المال فيما لا يفيد ويصرف صرف من لا يخشى الفقر، ثم بعد الزواج تجده يحفظ المال ولا يصرفه فيما لا يفيد. بل يستثمر منه لينمو ويزيد. والعاقل من يدبر ويستثمر ماله لينمو، ويحفظه ولا يبذره في كثرة التسوق والمترفات الغير ضرورية.

كسب الأهل والعشيرة

         من فوائد الزواج كسب الأهل والعشيرة، واتساع دائرتهم بالتصاهر والنسب. حيث تصير العائلتين المتناسبتين عائلة واحدة أكبر وأكثر قوة وعشيرة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[38]. والأهل سند وحصن وقوة وأمان.

الإرث والهبة:

         من فوائد الزواج الإرث والهبة، وهما حلال شرعه الله لعباده ليتساعدوا به في رزق العيال والمعولين. قال تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)[39]. وضمت هذه الآية الكريمة شرح مفصل لأحكام الميراث بين الزوج وزوجته، وهي من عدل الله ولطفه حتى لا يصير الورثة دون مال.

التعاون على توفير مصاريف الأبناء:

         عند وجود الزوجين معا يسهل التعاون بينهما في تنظيم المصروفات وتوفير ما يستطيعون منها لتلبية حاجة أبنائهم. وعند انفصالهما تصعب هذه المهمة وتزيد المنصرفات مما يؤدي أحيانا للتقصير في حق الأبناء. وليتعاون الزوجان في التوفير والاقتصاد ليوفرا معا حاجتهما. ولا يعني أن النفقة على الزوج ألا تساعد زوجته معه وتدبر وتقتصد لتعاونه. قال ﷺ: (المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا)[40].

توفير بيئة صحية للأطفال بين والديهم:

         الزواج يوفر بيئة صحية للأطفال ليكبروا بين أبويهم ويتمتعوا بحنانهما وعطاءهما معا. فحاجة الطفل لأمه تختلف عن حاجته لأبيه، وهو بحاجة لكليهما معا، وهو الوضع الأمثل له. فلكل من والديه دور في التربية والحنان وكل منهما راع له. قال ﷺ: (كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ)[41]. وقال: (علِّموا أولادَكُمُ الصلاةَ إذا بلَغُوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشْرًا، وفرِّقُوا بينهم في المضاجِعِ)[42]. فهو يحتاج حنان أمه وعطفها ورحمتها وكذلك التأديب والحنان من والده.

الحلول المقترحة

         هناك عدة أمور يمكن فعلها للحد من هذه الظاهرة، وحفظ المجتمع من أثرها السلبي عليه وعلى بناء الاسرة المسلمة، ونذكر منها:

نشر الوعي الديني

         نشر الوعي الديني وبيان أهمية الزواج وأنه سنة النبي ﷺ وأن الإسلام حثنا عليه للتحصن واعفاف النفس.

مساعدة الشباب على الزواج

         مساعدة الشباب على الزواج ويمكن ذلك عن طريق تنظيم الزيجات الجماعية، أو تبسيط مراسم الزواج والتخلي عما لا يلزم فيها من احتفالات كبيرة غالبا ما تكون مليئة بالمعاصي.

توفير وظائف للشباب

         مساعدة الشباب على إيجاد عمل مناسب، وذلك عن طريق البحث أو التزكية الصادقة أو توفير فرص عمل لهم ونحو ذلك.

تقليل المهور

         تقليل المهور يزيد من فرص الزواج ويجعلها متيسرة للجميع من فقير وغني. ويساعد ذلك في إعفاف المجتمع وتحصينه واستقراره.

محاربة العلاقات المحرمة

         ويمكن ذلك بمنع الاختلاط بشتى السبل وتقليل فرص اجتماع الجنسين، وذلك عن طريق فصل أماكن العمل والمدارس وتخصيص تخصصات مناسبة للشباب وأخرى للنساء.

خاتمة

         الحمد لله الذي شرع لنا من ديننا ما فيه مصالحنا وبه سعادتنا واستقرارنا، والحمد له أن هدانا للخير وجعل لنا من راحتنا عبادة نؤجر عليها وندخل بها الجنة. والزواج واحدة من أعظم تلك الشرائع ... ولا عجب أن سماه البعض نصف الدين ... لما رأينا ما له من فوائد في ديننا ودنيانا. فبه يصل المرء لمرحلة النضج التي يصير بها إنسان مؤمن بحق جاد في طلب الآخرة ودخول الجنة. يترك اللعب واللهو وراءه وينتظم في صلاته وعباداته ... ينفق مما رزقه الله ويحتسب عنده الأجر. وبه يغض بصره ويحفظ فرجه ويصون نفسه. وبه ينعم بالأنس والهناء مع العائلة والأبناء. وبه يجد في عمله وينمو ماله. وبه تزداد عصبته وعشيرته. وبه ينال العون من الله والبركة في الرزق والمال. ومن دونه يشعر الإنسان كأنه بدون وطن ولا سند.

وفي الختام انصح أبنائنا وبناتنا بألا يتأثروا بأفكار العلمانية في ترك الزواج وأن يرجعوا لسنة نبينا ﷺ في طلبه والسعي له وأن لا يتخذوا حياتهم لعبا ولهوا ... فالعمر قصير والامتحان عسير والجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالملذات ... فعلينا الصبر في هذه الحياة واختيار الحلال الطيب والبعد عن الفتن والشبهات. وأختم مقالي هذا بقول: "هذا جهد مقل، فإن أصبت فتوفيق الله وفضله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان"، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

[1] حسنه الألباني في صحيح الجامع ٣٤١٤.

[2] الإسراء ٣١.

[3] الروم ٢١.

[4] البخاري ٥٠٦٦، ومسلم ١٤٠٠.

[5] صححه الألباني في صحيح الجامع ٦٦٠، وأخرجه ابن حبان (4163)، والطبراني في (المعجم الأوسط) (4715).

[6] اغتصبها وقتلها، تفاصيل صادمة في واقعة مقتل طالبة الشرقية على يد زميلها، محمد صابر، جريدة فيتو الإلكترونية، الإثنين 16/أكتوبر/2023، https://www.vetogate.com/4997729

[7] البقرة ٢٣٣.

[8] الأحزاب ٥٣.

[9] النور ٣٠-٣١.

[10] الأعراف ٥٠-٥١.

[11] أخرجه البخاري (39)، والنسائي (5034)، وابن حبان (351) واللفظ لهم.

[12] التغابن ١٦.

[13] أخرجه الترمذي (2344)، وابن ماجه (4164)، وأحمد (205) واللفظ له.

[14] الإسراء ٣١.

[15] مسلم ١٤٦٧.

[16] الكهف ٤٦.

[17] البخاري ٥٠٦٦، ومسلم ١٤٠٠.

[18] مسلم ١١٨.

[19] النساء ٣٤.

[20] صححه يحيى بن معين، السنن الكبرى للبيهقي الصفحة أو الرقم: 7/105.

[21] أخرجه أحمد (24478) واللفظ له، والحاكم (2777)، والبيهقي (14746). صحَّحه الحاكم على شرط مسلم، وحَسَّنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2235).

[22] النور ٣٢.

[23] صححه الألباني في صحيح الجامع. وأخرجه أحمد (20093) بلفظه، وابن حبان (4518) الحاكم (7333) بنحوه.

[24] النور ٣٢.

[25] أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401)، والنسائي (3217) جميعهم بنحوه.

[26] الروم ٢١.

[27] ما أجمل بيت شعر للإمام علي عن فاطمة الزهراء؟، أسماء شاهين، موضوع، ٢٠٢٢.

[28] النور ٣٣.

[29] البخاري ٥٠٦٦، ومسلم ١٤٠٠.

[30] النور ٣٢.

[31] الإسراء ٣٢.

[32] أخرجه البخاري (269)، ومسلم (303).

[33] الجماع، موقع الطبي.

[34] الروم ٢١.

[35] سنن الترمذي (٤/١٨٤)، حديث حسن.

[36] الطلاق ٢-٣.

[37] البخاري ٢٠٧٢.

[38] الحجرات ١٣.

[39] النساء ١٢.

[40] أخرجه البخاري (6026)، ومسلم (2585).

[41] أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829)، وأبو داود (2928)، والترمذي (1705)، والنسائي في (السنن الكبرى) (9173)، وأحمد (5167) واللفظ له.

[42] صححه الألباني في صحيح الجامع ٤٠٢٦. وأخرجه البزار (9823) واللفظ له، وأورده ابن حبان في (المجروحين) (2/85).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق