لقد صادفتني عدة مقاطع لمزارعين يتلفون الفواكه والمحصولات، بحجة أنهم لم يستطيعوا بيعها بسعر مناسب دون أن يخسروا فيه. فاندهشت وأثارت هذه المقاطع عندي تساؤلات عدة؛ إذ كيف تتلف هذه الثمار بهذا الشكل وهي تشكل طعام الإنسان والحيوان. وقد تعب المزارع كثيرا في زراعتها وريها وحرثها ... فلم يلقي بكل هذا المجهود في الأرض؟ فأين ذهب الوقت والتعب وعمل البكور؟ وأين ذهب الانتظار والرعاية التي رعاها لتلك الأشجار حتى أثمرت؟ وأين الأمل والفرح الذي كان ينتظره؟ بل هذه كلها معان وأحاسيس عاشها وأيام قضاها ... فهل يلقي بها بمجرد أنها لن تجلب له السعر الذي يناسبه؟
وحتى إن أتت بثمن بخس أليس كان بيعها أو جزء منها أفضل من لا شيء؟ على الأقل لجمع مبلغ ليمشي به حاله ويبدأ به زراعة الموسم القادم أو بدأ مشروع آخر؟؟ مثل زراعة أنواع أخرى أو التغيير لرعي المواشي وإطعامها تلك الثمار؟ أو استثمارها في التصنيع كصنع المشروبات والأطعمة المحفوظة؟ أو حتى في صناعة الثياب والورق والصحون وغيرها.
وربما لو أنه تصفح وبحث لوجد أفكار كثيرة يمكن فعلها بذلك المحصول وتجلب له فائدة أفضل من رميزه له. وقد رأينا من الشعوب الأخرى وعلى رأسها كيف الصين تستفيد من كل شيء على وجه الأرض. بل وحتى ألوان النباتات استفادت منها في صناعة الألوان، وأليافها في صناعة الخيوط، وما تفرزه من سوائل في صناعة المطاط والصمغ وغيرها.
ثم هناك طرق الحفظ المختلفة مثل التجفيف والتمليح والتسكير والتخليل وغيرها. كل تلك طرق كان يمكن الاستفادة منها في حفظ الأطعمة والثمار ... حيث يمكن غسلها وتقطيعها وتجفيفها ونحوه. فعلى المسلم ألا يفشِّل نفسه وييأس ويضعف ويستسلم بسهولة، وليكدح ويسعى كما تسعى الشعوب لما ينفعها في الدنيا والآخرة. قال ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)[1].
وحتى إن لم يتيسر بيعها حتى بسعر أقل ألم يكن الأولى التصدق بها على الناس؟ فهناك من الناس - مسلمين وغير مسلمين - يعانون من الجوع والفقر الشديد ... أليس كان من الأفضل التصدق بها عليهم بدل إتلافها! وحتى إن لم يستطع المزارع توصيلها لهم فإن بإمكانه الاتصال بمنظمات خيرية لتولي أمر جمعها وتوزيعها. وفي ذلك أجر كبير له وزرع للآخرة. وقد جاء في أجر الصدقة نصوص كثيرة. فصدقته تلك سيعوضه الله عما خسر فيها في حرثه ويبارك له فيما يأتي. وقد وعد الله تعالى بذلك، حيث: (وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)[2]. وقال: (مْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)[3]. قال الطبري رحمه الله: "فإنه جل ثناؤه يعني أنه يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له"[4]. وقال ﷺ: (أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قال اللهُ: أنفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنفِقْ عليك)[5].
هذا غير أن الله تعالى ذم من يسعى في إهلاك الحرث والنسل. وذلك لأن الحرث فيه غذاء للناس ومنافع. وإهلاكه فيه تبذير وضياع للمال والطعام وضرر للأحياء والناس. والأشجار من مخلوقات، فلا ينبغي هدرها وتضييعها. قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[6].
ولو أن كل مزارع فعل ذلك لإنعدمت المحاصيل على وجه الأرض وجاع الناس وهلكوا هم وحيواناتهم ويبست الأرض وخربت على أهلها. فهلا توقفنا عن هذه الخسائر والتلف، ونحتسب التعب والخسارة والإنفاق عند الله تعالى، ونحاول جهدنا في تطوير تقنياتنا في الزراعة وغيرها لتلافي الخسارة أو تقليل حدوثها. واسأل الله تعالى أن يخلف على المزارعين وعلى كل مسلم خسر في ماله أو زراعته أو عمله.
بقلم منال محمد أبو العزائم – ٢٧ صفر ١٤٤٧هـ
[1] مسلم ٢٦٦٤.
[2] الأنفال ٦٠.
[3] البقرة ٢٧٦.
[4] تفسير الطبري، سورة البقرة، آية ٢٧٦.
[5] أخرجه البخاري (5352)، ومسلم (993).
[6] البقرة 205.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق