ملخص من اقتضاء الصراط المستقيم - لابن تيمية
فأُحدثت بدعٌ كـالاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، إضافة إلى الأعياد الوطنية والقومية التي تتزايد يومًا بعد يوم في بلاد المسلمين، وهي من الأغلال والآصار التي ابتُليت بها الأمة، ولم يُنزل الله بها من سلطان.
ولهذا أطال المؤلف رحمه الله في بيان حكم الأعياد البدعية، بل أشار في أول كتابه إلى أن هذه المسألة هي السبب الرئيس في تأليفه، وما سواها تابع لها.
وقد بيّن أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن اتخاذ الأعياد، سواء أكانت محدثة أم أعيادًا قديمة يُعاد إحياؤها.
كما أوضح أن الأعياد من الأمور التعبدية الشرعية التي لا يجوز فيها الابتداع، فلا يُزاد فيها ولا يُنقص، ولا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وبيّن أيضًا أن كل اجتماع عام يتكرر في زمانٍ أو مكانٍ معين، ويعتاده الناس، فإنه يُعدّ عيدًا، وكذلك كل موضع أو أثر يُقصد ويُرتاد على وجه الاعتياد؛ كآثار الجاهلية وأسواقها.
وقد كان للناس قبل الإسلام أعياد زمانية ومكانية متعددة، فأبطلها الإسلام جميعًا، وشرع للمسلمين عيدين فقط.
ودلت السنة على ذلك دلالة واضحة، كما أجمع عليه عمل المسلمين في صدر الإسلام، ونُقل عنهم من النهي والتحذير من البدع في الأعياد ما لا يُحصى، وقد ذكر المؤلف طرفًا من ذلك.
فإذا عُلم أن هذه الأعياد المحدثة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا أهل القرون الفاضلة، بل كانوا ينهون عنها ويحذرون منها؛ كان ذلك كافيًا في الحكم عليها بأنها محدثة باطلة، مهما زيّنها الناس أو التمسوا لها التأويلات.
فكل عيدٍ لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يُعرف في القرون الفاضلة، فهو مردود، ويُقال لمن جوّزه:
{هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]،
ولن يجدوا إلا قول من قبلهم:
{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22].
وأما استدلال بعضهم بأن هذه الأعياد—وخاصة المولد—مما تعارف عليه الناس ورضيه بعض العلماء، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة؛ فدعوى غير صحيحة، وذلك:
أولًا: لعدم استنادها إلى دليل شرعي.
ثانيًا: لأن الأمة لم تُجمع على ذلك، بل لا تزال طائفة من العلماء تنكر هذه المحدثات وتبيّن الحق.
وقد توارث العلماء هذا الإنكار، من الإمام أحمد بن حنبل، إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من أئمة أهل السنة، ولم يُعرف عن الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة إقرار هذه الأعياد.
ورغم انتشار البدع في هذا العصر، إلا أن طائفة من المسلمين لا تزال—بحمد الله—تُظهر الحق وتحذر من هذه المحدثات، في مختلف البلدان.
ومن وجوه تحريم الأعياد المبتدعة:
أن الأعياد من جملة الشرائع والمناسك، وليست مجرد عادات، فالتشبه بالكفار فيها أشد خطرًا.
أنها من شعائر الكفار وخصائصهم، فلا يجوز للمسلمين مشاركتهم فيها.
أن ما فيها من الأعمال إما مبتدع أو منسوخ، فلا يُتقرب به إلى الله.
أن فتح هذا الباب يؤدي إلى تكاثر الأعياد بلا ضابط شرعي.
وقد وقع ذلك بالفعل؛ إذ صارت الأعياد في بعض بلاد المسلمين كثيرة: للمولد، والوطن، والاستقلال، والأم، والطفل، وغيرها، حتى غدت لا تُحصى.
كما أن هذه الأعياد تستنزف الأموال والجهود، وتشغل عن ذكر الله والواجبات، وتفتح أبواب اللهو والانحلال.
فهل يتفطن من يبيح هذه الأعياد إلى هذه الحقائق؟ فإن لم يُبصروا الدليل، أفلا يُبصرون الواقع؟
{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}.
ويُذكر في هذا السياق ما أنعم الله به على بعض البلاد من تقليل هذه البدع ومحاصرتها، بفضل قوة العقيدة والعلم، وهو مما ينبغي شكره والمحافظة عليه.
نسأل الله أن يثبت المسلمين على السنة، وأن يجنبهم البدع والمحدثات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق