لقد نهانا ديننا الحنيف عن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وفي حقِّ المسلم يكون النهي أشدَّ حرمةً وأعظمَ إثمًا. وقد توعَّد الله تعالى من يفعل ذلك بأشدِّ الوعيد، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[1].
ولا يحلُّ قتلُ المسلم إلا في ثلاث حالات، كما قال النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ»[2]. فهذه هي الحالات التي يُباح فيها قتل المسلم: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، والمرتد المفارق للجماعة. ومع ذلك، فإن إقامة هذه الأحكام لا تكون للأفراد، بل تكون بيد الحاكم أو القاضي في ظلِّ الدولة الإسلامية، ولا يجوز لأحدٍ أن يتعدَّى ذلك.
ولو تأمَّلنا فيما يحدث في مجتمعاتنا اليوم، لوجدنا العكس تمامًا؛ إذ نسمع بجرائم قتل الأبرياء في الأخبار والمنصات الإعلامية بصورة متكررة، بينما يعيش أهل الجرائم الكبرى في أمنٍ وأمان. وليس القتل المنتشر اليوم بين أعداءٍ متحاربين، بل هو – في كثير من الأحيان – بين الأقارب والأزواج والإخوة، بل وصل الأمر إلى قتل الآباء والأمهات، وقد نُشرت حوادث كثيرة في ذلك.
وهذا كله مع ما ورد من التحذير الشديد والوعيد العظيم في شأن قتل المسلم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾[3]. وقال ﷺ: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: مالُهُ، وعِرضُهُ، ودمُهُ»[4].
وقد ازداد هذا الأمر بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، بعد أن كان وقوعه في الماضي نادرًا، وغالبًا ما يكون في نطاق ضيِّق بين أهل الجرائم، كالسَّرِقات ونحوها. أما اليوم فقد أصبح يتكرر بصورة مقلقة، وربما كان للتغيرات التي طرأت على المجتمعات أثرٌ في ذلك. ومع ذلك، فمهما كانت الأسباب، فإن قتل المسلم يُعدُّ من كبائر الذنوب وأعظمها.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾[5]. وقال ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[6]. وقال ﷺ: «لن يزال المؤمن في فُسْحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا»[7].
وفي هذا كلِّه وعيدٌ شديد، وتنبيهٌ عظيم على خطورة هذا الذنب. فعلى المسلم أن يتقي الله، وأن يحذر من الوقوع في هذه الجريمة، وأن يجاهد نفسه في كفِّ الغضب والهوى، وألا يترك للشيطان سبيلًا إلى إهلاكه.
ولقد عاش المسلمون في عصورٍ كثيرة يسود بينهم الأمن والتراحم، ولم يكن سفك الدماء بينهم أمرًا شائعًا، بل كان التسامح والتعايش هو الغالب، لأن همَّهم الأكبر كان الآخرة. وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يعود إليه المسلم، فيحفظ دماء إخوانه، ويصون نفسه من الهلاك في الدنيا والآخرة.
بقلم د. منال محمد أبو العزائم
الحواشي:
[1] الأنعام: 151.
[2] رواه البخاري ومسلم.
[3] النساء: 93.
[4] أبو هريرة رضي الله عنه، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3192)، وأخرجه أبو داود (4882) واللفظ له، وأحمد (7727).
[5] النساء: 92.
[6] أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89) واللفظ له.
[7] أخرجه مسلم (6862).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق