نبذة عن الصوفية

كان التصوف في بداياته قائمًا على اجتهادات فردية لبعض من انتحى جانب الزهد في الدنيا، والإقبال على الاستعداد والتزود للآخرة. لكنه تطور بعد ذلك ليتخذ منحًى جماعيًا، تعددت فرقه وتشعبت طرقه، بحيث صار لكل طريقة آدابها ورسومها وطقوسها وشيوخها ومريدوها وكتبها. ثم انتشرت هذه الطرق في سائر أرجاء العالم الإسلامي وغيره.

وقبل الخوض في بعض الجوانب العامة المتعلقة بنشأة الطرق الصوفية وعوامل قيامها، لا بد أولًا من التعريف بها لغةً واصطلاحًا.

فالطريقة في اللغة تُطلق على السيرة، والمذهب، والحال.

ويعرفها الصوفية بأنها: «السيرة المختصة بالسالكين إلى الله تعالى، من قطع المنازل والترقي في المقامات».

وفي هذا التعريف نظر، من جهة تطور الطرق، ومن جهة وصف الطرق ذاتها؛ فهي أقرب ما تكون جملة مراسيم وتنظيمات لجماعات صوفية.

والطريقة الصوفية تعني أولًا النسبة إلى شيخ يزعم لنفسه الترقي في ميادين التصوف، والوصول إلى رتبة الشيخ المربي، ويدّعي لنفسه بالطبع رتبة صوفية من مراتب الأولياء عند الصوفية، كالقطب والغوث والوتد والبدل... إلخ.

ولا بد أن يكون – في زعمهم – من أهل الكرامات والمكاشفات، ويكون له ذكرٌ خاص به، يزعم كل واحد منهم أنه تلقاه من الغيب: إما من الله مباشرة، أو نزل عليه مكتوبًا، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة أو في المنام، أو من الخضر عليه السلام. فلا بد أن يكون له ذكرٌ خاص ينفرد به عن سائر الطرق، ولا بد أن يكون لهذا الذكر فضلٌ خاص متميز عما عند الطرق الأخرى. كما لا بد أن يكون لكل طريق شعائر خاصة؛ فلون العَلَم والخرقة لونٌ مميز، وطريقة الذكر الصوفي مميزة، ونظام الخلوة مميز، وهكذا. وكثيرًا ما تتوارث زعامة هذه الطرق الأبناء عن الآباء، ويصل عدد من مؤسسي الطرق نسبهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، فيجعلون أنفسهم من آل بيته الشريف.

ولكل طريقة من الطرق الصوفية تاريخها الخاص بها، وظروفها التي أدت إلى نشأتها؛ فهي تختلف من طريقة لأخرى، ومع ذلك فثمة جوانب مشتركة تتعلق بنشأة الطرق وأسباب تكوينها.

يبدو أن أول صوفي وضع نظام الطرق الصوفية هو الصوفي الإيراني محمد أحمد الميهمي، المتوفى سنة 430هـ، والمعروف باسم أبي سعيد؛ فقد أقام في بلدته نظامًا للدراويش، وبنى خانًا بجوار منزله للصوفية، وجعل نظام تسلسل زعامة الطريقة عن طريق الوراثة. ويبدو كذلك أنه من أوائل من كتب في طريقة التربية الصوفية، وهو سابق على عبد الكريم القشيري، صاحب «الرسالة القشيرية»، التي ذكر فيها صاحبها أيضًا طائفة كبيرة من طرق التربية الصوفية. وقد توفي القشيري سنة 465هـ، وكان مولده سنة 376هـ، أما مولد أبي سعيد فكان سنة 357هـ، فهو أكبر من القشيري وأقدم.

وقد قيل إنه اتصل بأبي عبد الرحمن السلمي، صاحب كتاب «الطبقات»، وأخذ عنه الحرفة الأولى، واتصل كذلك بأبي العباس القصاب، وأخذ عنه الحرفة الثانية. وقد انتشر بعد ذلك – في القرنين الخامس والسادس الهجريين – نظام الطرق الصوفية، وانتقل من إيران إلى المشرق العربي؛ فظهرت الرفاعية والقادرية في العراق، والأحمدية والشاذلية في مصر، ثم ظهرت بعد ذلك الدسوقية في مصر أيضًا، ثم تتابع ظهور الطرق الجديدة، وكذلك الطرق المتفرعة من طرق قديمة، حتى أصبحت الطرق تُعد بالآلاف.

ولا تختلف الصوفية في أسباب نشأتها عن الفرق الأخرى، وترجع نشأتها إلى عوامل كثيرة ومتنوعة، يختلف الباحثون في تقسيمها أو تعدادها.

ومعلوم افتراق الطرق الصوفية عن أهل السنة والجماعة وابتداعهم، وضابط الافتراق هو: «الخروج عن السنة والجماعة في أصل أو أكثر من أصول الدين، الاعتقادية منها أو العملية، أو المتعلقة بالمصالح العظمى للأمة، ومنه الخروج على أئمة المسلمين وجماعتهم بالسيف».

وكانت مفارقة الطرقية لأئمة المسلمين وجماعتهم في الخروج عن السنة في أصول الدين الاعتقادية منها والعملية، «والبدعة التي يُعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة»، كما قال ابن تيمية.

فمن أسباب نشأة الفرق عمومًا، والطرق الصوفية منها: كثرة البدع وانتشارها، والجدال والمراء والخصومة في الدين، ومجالسة أهل الأهواء والبدع ومخالطتهم، والجهل؛ ويشمل الجهل بمذهب السلف، والجهل باللغة العربية، والجهل بمقاصد الشريعة.

وهناك أسباب أخرى، من أهمها:

أولًا: أخذ الدين من غير الكتاب والسنة وآثار السلف:

فهناك مصادر أخرى يعولون عليها في تلقي العقائد والعبادات والأحكام والآراء، من أهمها:

1- التلقي عن أهل الكتاب وغيرهم:
سواء بقراءة كتبهم أو الأخذ مباشرة عنهم، خاصة ما يخالف شرعنا. وهذا الخلل المنهجي ظاهر عند الصوفية، حتى إنه لا يمكن حصر ما نقله أبو طالب المكي – صاحب كتاب «القوت» – عن أهل الكتاب، وغالبه يخالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقلوا عن غير أهل الكتاب من الديانات الأخرى.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرؤونه محضًا لم يُشب؟ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب!».

2- اعتماد الأحلام والمنامات والحكايات والإسرائيليات:
تأتي الرؤى الصادقة من الله تعالى مبشرات ومنذرات للمؤمنين، بخلاف الأحلام التي تأتي من الشياطين.

وقد اعتمد عدد من الصوفية على الأحلام، ومن اهتمامهم بها أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، وساقوا تحتها جملة منها، وكذا الحكايات التي لا أصل لها.

قال ابن تيمية في بيان مصادر التلقي: إنها «الكتاب، والسنة، والإجماع، وبإزائها لقوم آخرين: المنامات، والإسرائيليات، والحكايات».

وقال الشاطبي: «وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، فأقبلوا وأعرضوا بسببها...».

3- الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة:
السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر الدين؛ ولذا حرص علماء الأمة على خدمتها، كما حرص أهل الأهواء والبدع على الاستناد إليها. ولجهل بعض الطوائف وعدم تمييزهم بين الضعيف والصحيح، استدلوا بأحاديث موضوعة وضعيفة ظنًا منهم أنها صحيحة أو مقبولة، ومن هذه الطوائف: الصوفية.

وقد ذكر أبو طالب المكي كثيرًا من الأحاديث الموضوعة؛ قال ابن تيمية: «أبو طالب أكثر اعتصامًا بالكتاب والسنة من هؤلاء، ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة...».

ثانيًا: خوارق ظنوها آيات، وهي من أحوال الشياطين:
وهي من جنس ما كانت تفعله الشياطين في الجاهلية لإضلال الناس... وليس معهم دليل صحيح.

ثالثًا: الطمع المادي في الثراء والعيش الرغيد:
فبعض مشايخ الطرق تُصرف لهم رواتب من دول متعاقبة... 

رابعًا: هيمنة الصوفية في بعض البلاد الإسلامية على الجامعات والمراكز العلمية.

خامسًا: دعم بعض الحكومات والدول الاستعمارية لهم.

سادسًا: المجد الشخصي لشيخ الطريقة:
ومن ذلك ادعاء الكرامات والمبالغة فيها، وادعاء النسب الشريف...

ومن أسباب نشأة الطرق أيضًا مزاعمهم بضمان الجنة للمريد... إلى غير ذلك من الدعاوى.

ومن الطرق الصوفية: الطريقة التجانية، والطريقة الرفاعية، وفرقة الأحباش، والطريقة القادرية، والطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية، والطريقة الختمية، والطريقة البريلَوية، والعدوية، واليزيدية.


ملخص من الدرر السنية – إعداد د. منال محمد أبو العزائم





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق