ولذلك جاء الإسلام يحمي قلب المؤمن من هذا الداء قبل أن يستحكم فيه، فلم ينه عن الكبر والعجب والرياء فحسب، بل وضع ضوابط حتى للمدح والثناء؛ لما قد يترتب عليهما من آثار خطيرة على الإخلاص.
ومن ذلك ما جاء عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: (أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ، فقال: «ويلك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك» مرارًا، ثم قال: «من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه»)[1].
في هذا الحديث توجيه نبوي عظيم إلى الحذر من الإكثار من المدح والثناء؛ لأنهما قد يكونان سببًا في وقوع الإنسان في العجب والغرور والرياء، ولا سيما إذا كان المدح في وجهه وبصورة متكررة. وكم من مسلم بدأ عمله مخلصًا لله تعالى، لا يبتغي إلا رضاه، ثم استدرجه حب الثناء، فتعلقت نفسه بإعجاب الناس وإقبالهم، حتى صار همه أن يُمدح ويُذكر، وضعف في قلبه استحضار الإخلاص ومراقبة الله.
ولعل المتأمل في واقع بعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي يرى نماذج بدأت بالدعوة إلى الخير والتمسك بالطاعة، ثم تغيرت أحوالها مع مرور الزمن، فأخذت تتنازل شيئًا فشيئًا طلبًا للشهرة أو محافظة على رضا الجمهور، حتى غلبت عليها مظاهر لا تليق بمن كان يحمل رسالة الإصلاح. وليس المقصود الحكم على الأشخاص أو على نياتهم، وإنما التنبيه إلى فتنة الشهرة، وأن كثرة الثناء والإعجاب قد تكون من أعظم الابتلاءات إذا لم يحفظ الله العبد.
وهذه الفتنة لا تقتصر على المشاهير وأصحاب المنصات الكبيرة، بل قد تصيب كل مسلم؛ فقد يقع فيها الكاتب، أو طالب العلم، أو الخطيب، أو الداعية، أو حتى من ينشر منشورًا عابرًا فينتظر كلمات الإعجاب والثناء. فالعبرة ليست بكثرة المتابعين، وإنما بما يختلج في القلب من رغبة في أن يمدحه الناس ويذكروه. ولهذا كان كثير من السلف يجاهدون أنفسهم على إخفاء الطاعات، ويخشون الشهرة، إدراكًا منهم لما قد تجره من فتنة على القلوب.
وقد حذر النبي ﷺ أيضًا من أن يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب ثناء الناس، فقال: «مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به، ومَن يُرائي يُرائي اللهُ به»[2]. أي أن من عمل العمل ليُذكر بين الناس ويُشاد به، فضحه الله يوم القيامة، وأظهر حقيقة قصده. وهذا من أعظم ما يزجر المسلم عن الالتفات إلى المديح، ويذكره بأن قبول العمل إنما يكون بالإخلاص، لا بكثرة المتابعين ولا بتصفيق الجماهير.
ولهذا كان السلف الصالح يخافون من الشهرة أكثر مما يفرحون بها؛ لأنهم يعلمون أن الثناء قد يكون نعمة إذا حمل صاحبه على شكر الله، وقد يكون فتنة إذا أورثه العجب والرياء والغفلة.
ولهذا ينبغي للمسلم أن يحصن قلبه من آفات الرياء والعجب، وألا يجعل مدح الناس وثناءهم ينسيانه حقيقة وجوده في هذه الحياة. فليس السؤال: ماذا يقول الناس عني؟ وإنما: ماذا أعددت للقاء ربي؟ وما الغاية التي خُلقت من أجلها؟
وقد أجاب الله تعالى عن هذا السؤال في قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[3]. فنحن في هذه الدنيا لعبادة الله تعالى، والاستعداد للحياة الآخرة، حيث تكون السعادة أو الشقاء الأبدي بما قدمه الإنسان من إيمان وعمل صالح.
ومن أجمل ما يُروى في هذا المعنى قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا." وهي كلمة بليغة تذكرنا بأن الدنيا سريعة الزوال، وأن كثيرًا مما يشغل الناس فيها سيتلاشى عند أول لحظة من لحظات الآخرة، حين يرى الإنسان حقيقة أعماله. قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾[4].
فطوبى لمن جعل رضا الله غايته، ولم يغره ثناء الناس ولا ذمهم، واستحضر دائمًا أن الله لا ينظر إلى كثرة المادحين، ولا إلى عدد المتابعين، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، كما قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»[5]. فمن أخلص لله أصلح الله سريرته، وجعل القبول في الأرض ثمرةً للإخلاص، لا غايةً يُسعى إليها.
المراجع
[1] اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، محمد فؤاد عبد الباقي، حديث (1888).
[2] متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم.
[3] سورة الذاريات: الآية (56).
[4] سورة الأنبياء: الآية (97).
[5] رواه مسلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق