جاء الإسلام خاتمًا للأديان السماوية، مصححًا للعقيدة، ومبينًا للشرائع والعبادات، وداعيًا إلى مكارم الأخلاق وحسن الأدب مع الله تعالى. وهذه هي الدعوة التي اشترك فيها جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ عبادة الله وحده، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه.
ومن تمام الأدب مع الله تعالى أن يلتزم المسلم أوامره، ويجتنب نواهيه، ويخضع لأحكامه. فإن ابتُلي العبد بمعصية، فالواجب عليه أن يستر نفسه، وألا يفضحها بذكر ذنبه أو التحدث به، بل يبادر إلى التوبة والاستغفار، راجيًا عفو ربه ورحمته.
قال رسول الله قال ﷺ: (كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين، وإنَّ من الجِهارِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملًا ثم يُصبِحُ وقد ستره اللهُ تعالى فيقولُ: عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد بات يسترُه ربُّه، ويُصبِحُ يكشفُ سِترَ اللهِ عنه)[1].
فلا يليق بالمسلم أن يجاهر بالمعصية، سواء بارتكابها أمام الناس، أو بالتفاخر بها بعد وقوعها وقد ستره الله. فإن ستر الله للعبد نعمة عظيمة، ومنة جليلة تستوجب الشكر والحياء، لا أن يقابلها العبد بكشف ستر الله عنه. وإن المجاهرة بالذنب قد توحي للناس بأن صاحبها يتباهى بمعصيته، أو يستخف بحرمة أوامر الله ونواهيه، وكأن العقوبة لا تعنيه، فيقع بذلك في سوء الأدب مع ربه والاستهانة بحرماته.
وفوق ذلك، فإن المجاهرة بالمعصية قد تكون سببًا في تشجيع الآخرين عليها، أو التهوين من شأنها في نفوسهم، فتتحول المعصية من ذنب خفي إلى سلوك يُتداول ويُروَّج له، فيتحمل صاحبها إثم نفسه، وربما إثم من تأثر به.
وقد أمر الله تعالى عباده أن يذكروه بخشوع وخضوع، فقال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)[2].
ومن أعظم صور حسن الأدب مع الله أن يعرف العبد قدر نفسه، فيقف عند مقام العبودية الذي أقامه الله فيه، مقام الذل والانكسار والافتقار إليه سبحانه. فيمتلئ قلبه بمحبة الله وتعظيمه، وخشيته ورجائه، وتقديسه وتنزيهه، وإجلاله والخضوع له، مستشعرًا أنه عبد فقير لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا غنى له عن رحمة ربه، وعفوه، وكرمه، ومغفرته.
ولا يستقيم مع هذا المقام الشريف أن يجاهر العبد بمعصيته، فإن المجاهرة تنافي كمال الحياء من الله، وتضعف تعظيمه في القلب، وتدل على قلة تعظيم حرماته، بينما العبودية الحقة تثمر تعظيمًا لله، وحياءً منه، ومسارعةً إلى التوبة كلما وقع العبد في تقصير.
قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا).
فالمؤمن الصادق لا يفرح بالمعصية، ولا يتحدث بها، ولا يجعلها وسيلة للظهور أو لفت الأنظار، بل يستحي من ربه إذا زلت قدمه، ويسارع إلى التوبة، ويشكر الله أن ستره ولم يفضحه. وكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد حياءً منه، وتعظيمًا لأمره، وحرصًا على ألا يلقى الله إلا بقلب منيب.
فليحذر المسلم من المجاهرة بالمعاصي، فإنها لا تقتصر على الإضرار بصاحبها، بل قد تفتح أبواب الشر لغيره، وتذهب هيبة الذنب من القلوب. وليكن شعاره في كل حال: التوبة إذا أذنب، والستر إذا ابتلي، وحسن الأدب مع الله في السر والعلن، راجيًا رحمته، خائفًا من عقابه، ممتثلًا لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[3].
[1] أخرجه البخاري (6069)، ومسلم (2990) باختلاف يسير.
[2] الأعراف ٢٠٥-٢٠٦.
[3] النور ٣١.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق