كيفية الشفاء من الحقد

    الحقد من الأمراض القلبية الخبيثة التي يحرص الشيطان على بثها بين الناس؛ لأنها تفرق بين القلوب، وتنشر العداوة والبغضاء، وتفسد العلاقات بين الأقارب والأصدقاء. والحقود يعيش في عذاب دائم، فلا يكاد ينسى إساءة، ولا يصفح عن زلة، حتى يظلم قلبه ويقسو. وهذا خلق ذميم لا يليق بالمسلم الذي أمره الله بالعفو والإحسان.

    وقد يتعرض الإنسان لظلم أو أذى فيجد في نفسه شيئًا من الغضب أو الضيق، وهذا أمر قد يقع بطبيعة البشر، لكن الخطر أن يستقر ذلك في القلب حتى يتحول إلى حقد دائم يلازم صاحبه ويعكر عليه حياته. ومن أعظم أسباب الشفاء من الحقد أن يستحضر المؤمن أن الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء، وأن الله سبحانه هو الحكم العدل الذي لا يضيع عنده حق، وسيقتص لكل مظلوم من ظالمه يوم القيامة. فإذا أيقن بذلك هان عليه ما أصابه، واطمأن قلبه إلى عدل ربه، وترك الانتقام لخالقه.

كما يعين على إزالة الحقد تذكر ما أعده الله تعالى للعافين والكاظمين غيظهم، قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[1]. ويعلم المؤمن كذلك أن الظالم هو أول من يجني ثمرة ظلمه، وأن حسناته قد تذهب يوم القيامة إلى من ظلمهم، كما وقال ﷺ: (مَن كانَت له مَظلِمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ ألا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلِمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه)[2]

ومن أعظم ما يخفف الحقد أيضًا أن يعلم المؤمن أن ما يصيبه لم يكن ليخطئه، وأن كل هم أو أذى يصبر عليه يكفر الله به من خطاياه، كما قال ﷺ: (ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه)[3]. فإذا انشغل بطاعة الله، والصلاة، وذكره، والعمل للآخرة، صغرت في عينه إساءات الناس، وأصبح همه الأكبر الفوز برضا الله والنجاة من النار، لا الانشغال بالانتقام وتتبع أخطاء الآخرين.

والحقد لا يضر غالبًا إلا صاحبه؛ فهو يورث الهم والغم، ويملأ القلب توترًا وضيقًا، ويشغل الفكر، وربما صرف الإنسان عن العبادة والخشوع، وأفسد عليه راحة نفسه. ولذلك كان من الحكمة أن يفوض المسلم أمر من ظلمه إلى الله، ويحتسب حقه عنده، ويطهر قلبه من الأحقاد؛ فإن سلامة الصدر نعمة عظيمة، ومن أسباب السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.



[1] آل عمران ١٣٤.

[2] البخاري ٢٤٤٩.

[3] أخرجه البخاري (5642) واللفظ له، ومسلم (2573).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق