من المفاهيم الخاطئة التي شاعت في بعض المجتمعات ما يُسمى بـ "غسل العار"، ويقصد به أن تقدم بعض الأسر على إيذاء ابنتها أو قتلها إذا اتهمت بارتكاب ما يمس الشرف، كإقامة علاقة محرمة أو غير ذلك. وهذا الفعل جريمة عظيمة لا يقرها الإسلام، بل هو اعتداء محرم على النفس التي جعل الله لها حرمة عظيمة.
ولا شك أن الوقوع في الفاحشة من الذنوب الكبيرة، لكن معصية لا تُعالج بمعصية أعظم منها. فليس للأب، ولا للأخ، ولا لغيرهما أن يقيم الحدود أو ينفذ العقوبات بنفسه؛ لأن إقامة الحدود والعقوبات من اختصاص ولي الأمر والقضاء الشرعي بعد التحقق من ثبوت الجريمة واستيفاء شروطها، وليس للأفراد أن يقتصوا لأنفسهم أو يتجاوزوا سلطان القضاء.
وقد شدد القرآن الكريم في تحريم القتل بغير حق، فقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. وهذه النصوص تبين عظم جرم القتل العمد، وأنه من أكبر الكبائر.
ثم إن مجرد الاتهام لا يثبت به جرم، وقد تكون الفتاة بريئة، أو مكرهة، أو معتدىً عليها، أو تكون التهمة مبنية على إشاعة أو سوء ظن. وحتى إذا ثبت وقوعها في معصية، فقد تتوب توبة صادقة فيتوب الله عليها، والله تعالى يحب التوابين ويقبل توبة عباده. وقد جاءت المرأة الغامدية رضي الله عنها إلى النبي ﷺ معترفة مختارة، فأقيم عليها الحكم بعد استيفاء شروطه، ولم يكن ذلك بيد أهلها أو أقاربها.
ولهذا فإن الواجب على الأسرة أن تعالج الأخطاء بالحكمة والنصح والإصلاح، وأن تستر على من وقع في ذنب وتعينه على التوبة، لا أن تزيد الجريمة جريمة أخرى بقتل النفس أو الاعتداء عليها. كما يجب نشر الوعي بين المسلمين بأن ما يسمى بـ "غسل العار" ليس من الإسلام في شيء، بل هو جريمة محرمة وكبيرة من الكبائر، ويترتب عليها فساد عظيم في الدين والمجتمع، فضلًا عما يترتب عليها في كثير من البلدان من عقوبات قانونية شديدة قد تصل إلى السجن لسنوات طويلة.
فليتق الله كل ولي فيمن استرعاه الله، وليعلم أن الحكم بين الناس وإقامة العقوبات موكولان إلى القضاء المختص، وأن الرحمة والستر والدعوة إلى التوبة هي السبيل الذي جاءت به الشريعة، والله غفور رحيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق