ظاهرة تربية الأسود 💥

لقد انتشرت ظاهرة تربية الأسود والحيوانات المفترسة، لاسيما بين الأغنياء. وهي ظاهرة تخالف تعاليم ديننا الحنيف من عدة نواحي. أولها وأهمها هي شراسة هذه الحيوانات وخطورة تربيتها والتعامل معها. فالأسد مهما تدرب ونشأ على ألفة البشر لا يؤمن جانبه. والدليل على ذلك كم الحوادث الذي نشر بسبب ذلك، سواء في ملاعب السيرك أو في بيوت المربين أو في حدائق الحيوانات المفتوحة (حدائق السفاري).

وقد ظهرت مقاطع وأخبار مروعة في منصات الأخبار وشبكات التواصل الاجتماعي عن هجوم الأسود الدموي للبشر. وللمثال أنقل هذا الخبر: "أسد يفترس مربيه العراقي بعد شهر من الألفة"[1]. وخبر أخر: "أسد يفترس مدربه أمام الأطفال بسيرك في مصر"[2]. وهناك قصص أخرى كثيرة. والمحك هنا هو بيان خطورة الأمر.

ولم يقتصر الأذى على المربين فحسب، بل طال أسرهم وأطفالهم ومن حولهم. وللتمثيل: "أسد يفترس طفلا في قطاع غزة.. من يتحمل المسؤولية"[3]، وخبر آخر: "لبوة تهاجم طفلا في اعزاز بريف حلب وعائلته تطالب بمحاسبة صاحبه الهارب"[4]، وغيرها الكثير من الأمثلة. فمن المسؤول فعلا في هذه الحوادث وعلى من القصاص؟ هل الغلط على الأطفال أم على من أتي بهذه الوحوش لتعيش بين البشر؟؟ بالطبع ليس خطأ الأطفال لصغرهم ولأن الأسد أساساً ليس مكانه بين البشر. ولكن لتصرف غير حكيم من شخص غير حكيم وجد الأسد بقرب الناس وأكل أطفالهم. إن القانون ينبغي أن يحاسب مثل هؤلاء ويزج بهم في السجون ليحموا الأطفال والناس منهم، أو يرسلهم ليعيشوا مع الأسود بدلا من أن يجلبوها للمدن ... فذلك أسلم للناس.

ورغم كل تلك الحوادث تجد من يتجرأ على تربيتها. وفي هذا تعريض النفس للخطر الذي يخالف الشريعة. حيث أمرنا الله تعالى بحفظ النفس، فقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا). وقال ﷺ: (مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهو يَتَحَسَّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهو يَتَرَدَّى في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا). وفي هذا زجر ووعيد شديد لمن يقتل نفسه. وما الفرق بين من فعل ذلك ومن أتى نحو الأسد وجلبه لبيته وأسرته؟! ومهما كان الأسد أليف قد يأتي منه ما لم يؤلف من فعله سابقاً. والدليل أن كثير من الحوادث نشأت من أسود أليفة في أصلها، كأسد سيرك أو أسد مربي في منزل ونحوه. وهذا يؤكد أنه ليس هناك أسد يؤتمن وأنه غدار ولا يؤمن جانبه.

وقد حذر العلماء في مختلف الفتاوى القديمة والمعاصرة عن كل ما يضر بالنفس ويسبب لها الأذى. فما بال مربين الأسود وغيرها من الحيوانات المفترسة يتجاهلون هذه الفتاوى. ربما لسوء فهم أو جهل ... وربما لعناد وفتنة قلبية. وربما الحرص على الظهور وجلب المشاهدات على المنصات عماهم عن ورود المخاطر وما ورد فيها. وأي كانت الأسباب للمربين فلا عذر لهم.

هذا غير أن تربية الأسود تتطلب جهداً كبير؛ لأنها حيوانات شرسة. ولذا لابد لمربيها أن يكون قوي البنية لتحمل التحكم فيها وحبسها. وحتى إن كانت في حالة لعب بري، فلعبها قد يسبب كسور وإصابات بالغة لقوة بنيتها وسرعة حركتها. وأقله ما تسببه هو الخدوش والكدمات التي تصل لحد التشويه. وربما تلتهب الجروح وتصاب بالأخماج البكتيرية التي قد تتطور وتزيد. فتربيتها فيه تهاون بصحة مربيها.

ولابد من وجودها في مرافق واسعة ذات حراسة وأمن عالي لضمان سلامتها وسلامة من حولها. وقد تحتاج عمال لرعايتها وتنظيفها وإطعامها وحبسها، الخ. وتحتاج أدوية ورعاية صحية. هذا غير الوقت المبذول في ذلك وتضييعه فيما لا ينفع على حساب وقت العبادة والعمل والواجبات الأسرية وغيرها.

وكذلك تتطلب تربيتها كميات كبيرة من اللحوم يوميا. مع العلم بأن هذه اللحوم مكلفة كثيرا. وفي "حديقة الحيوانات تقدر حصة الأسد اليومية من اللحم ب ٢٣.٥ كيلوغرام"[5]. وهذا لحم يكفي لإطعام ١٥ أسرة يومياً. فلماذا هذا التبذير؟! ... وأليس من الأولى التصدُّق بهذه اللحوم لفقراء المسلمين الذين لا يجدون خبزا ولا ماء؟ فأين ذهبت المروءة والإنسانية والحس الديني والتربوي. وقد نهانا ديننا عن التبذير ودعانا للتكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء. أأليس من الأولى إتباع هذه التعاليم الربانية بدلا من تربية الأسود. قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[6].

وربما هناك من اعتبر الرفق بالوحوش من الرفق بالحيوان، ولكنه نسي أن الإسلام لم يطلب من أي إنسان أن يعرض نفسه للخطر، لا لأجل حيوان ولا غيره. بل إن الذين يفجرون أنفسهم لنصرة الدين جرمهم الفقهاء لتضمين فعلهم بإهلاك أنفسهم وتعريضها للخطر. فما بال من يعرض نفسه للخطر لأجل حيوان. ولو أذاهم الحيوان فلا لوم عليه، لأنه لا يعقل كما يعقل البشر. ولكن اللوم على من تهاون في نفسه وضحى بها لأجله ... فتقبلها الحيوان بدوره بشهية والتهمها دون أي شعور بالذنب. ولو كان لديه القدرة على التفكير لربما ظن هؤلاء البشر لا عقل لهم ... وها هم يأتون إلىِّ بأرجلهم دون تفير ... فماذا يتوقعون؟؟ هيا لآكلهم وأخلص العالم منهم واشبع نفسي. وعفوا ... لا أقصد بهذه العبارة التهكم وحاشا ... وإنما أود أن ألفت انتباه من يفعل ذلك بنفسه ويظلمها ... عله يفيق قبل فوات الأوان. ولو وقع المصاب لا ينصلح ولا عودة من الموت ... فماذا ترى سيكون مصير من فعل ذلك؟ هل ستقابله الملائكة بالترحاب وتقول هلا بك نم سعيدا أنت من الفائزين أو ستلاقيه بالعذاب والتنكيل وتقول قد قتلت نفسك بتعريضها لهجوم الأسد رغم تحذيرات! فيا ليت كل من يربي حيوانات وحشية أن يتفكر في هذه الكلمات ويتوب إلى الله ويرحم نفسه من عذاب تربيتها ويحفظ ماله لأهل بيته ووقته لعبادة الله وعمله وأسرته. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

[1] إرم نيوز، أسد يفترس مربيه العراقي بعد شهر من الألفة.

[2] صحيفة الرأي الأردنية، أسد يفترس مدربه أمام الأطفال بسيرك في مصر.

[3] قناة الجزيرة، أسد يفترس طفلا في قطاع غزة.. من يتحمل المسؤولية.

[4] تلفزيون سوريا، لبوة تهاجم طفلا في اعزاز بريف حلب وعائلته تطالب بمحاسبة صاحبه الهارب.

[5] منتديات دارفور

[6] الأعراف ٣١.

⚠️ جاري مراجعة وتحديث بعض البطاقات والمحتوى نسأل الله التوفيق والسداد ـ