أهمية تحقيق الأمن الغذائي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد

    إن قضية الأمن الغذائي من القضايا المعاصرة التي تشغل أذهان الباحثين في العالم أجمع. فقد انتشر الفقر في بلاد كثيرة وأصاب الناس الجوع والهزل ومات الكثير منهم بأمراض سوء التغذية وقلة المناعة. ولما كان الغذاء من الاحتياجات الأساسية لكل إنسان كان لابد من إعارة هذا الأمر الكثير من الاهتمام والبحث فيه لنفع الناس ومحاولة إيقاف خطر الجوع وآثاره والخوف من نقص الغذاء والعمل على امتلاك المقومات التي توفره في الحاضر والمستقبل. وبذلك يتم تحقيق الأمن الغذائي الذي تم تعريفه بأنه "وضع يتحقق عندما يتمتع جميع الناس، في جميع الأوقات، بإمكانية الحصول المادي والاقتصادي على أغذية كافية وسليمة ومغذية تلبي احتياجاتهم الغذائية"[1]. ولذا علينا نحن كأمة مسلمة العمل على حل أزمة الغذاء والبحث عن كيفية تحصين أمتنا وتأمين حاجتها من المخزون الغذائي.

حث الإسلام على إنتاج الغذاء

وقد حث الإسلام على الزراعة وإطعام الحيوانات والكسب الحلال، وكل ذلك يساعد على إنتاج الغذاء. والكسب الحلال يمكن أن يكون في شتى المجالات المختلفة، ولكن إن كان في إنتاج الطعام الذي ينفع الناس وصحت معه النية كان أجره مضاعفاً. قال صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ)[2]. فالنبات والحيوان هما المصدران الأساسيان للطعام للإنسان والحيوان. وبالغذاء نستطيع مساعدة الناس وفك كرباتهم والتصدق على الأمم الفقيرة وكسب الأجر الكبير. وبه نستطيع توحيد صف الأمة وتحقيق سعادتها ورخائها وتكسب الدولة دعم الناس وتقوية شوكتها. قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)[3]. وقال: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)[4]. ولذا ينبغي على الدولة المسلمة أن تعير مجالي الزراعة وتربية الحيوانات اهتمام كبير وتمدهما بالميزانية اللازمة لهما والكوادر المؤهلة للعمل فيهما. وهذا لحماية الدولة وتعزيزها. وكذلك على الأفراد محاولة المساهمة في ذلك ولو بالبسيط.

أسباب نقص الغذاء

هناك أسباب عدة لنقص الغذاء، بعضها ينتمي للطبيعة وبعضها من صنع الإنسان. وأي كان نوعها فإن تأثيرها على الإنسان والحيوان مدمر. ولذا علينا البحث عنه لمحاولة الوصول لحلول لهذه المشكلة.

الجفاف والتصحر

يكثر نقص الغذاء لأسباب الطبيعية من أثر الطقس وعوامل المناخ مما يصعب إصلاحها. ولعل الجفاف والتصحر هما أهم الأسباب لإنتشار الجوع وانحسار الغابات والأشجار المثمرة. فهما يجعلان عملية الزراعة شبه مستحيلة أو صعبة ومكلفة جداً؛ لصعوبة العمل في الصحراء القاحلة وقلة الماء وعدم صلاحية التربة للزراعة وعدم توفر المعدات اللازمة وعدم توفر الطعام والجو الصحي للعاملين مما يشكل مشكلة كبيرة في مجال العمل في الحقلين. وذلك لضعف الحيوانات لسوء التغذية والعطش مما قد يودي بها للموت. وذلك كما حدث في الصحراء الكبرى في أفريقيا وغيرها. وهناك ظاهرة الزحف الصحراوي وهي تقدم الرمال لتكسو التربة بفعل الرياح وعدم سقوط الأمطار فتقل النباتات وتتحول الأرض تدريجياً لصحراء. "ولقد ساهم انخفاض معدلات تساقط الأمطار على نحو مباشر أو غير مباشر في تلف المحاصيل، وزحف الصحراء على أراضي المراعي، والافتقار إلى المياه والأراضي المعشوشبة اللازمة لرعي الماشية، والتصحر الشديد"[5]. وقد ينتج من قطع الإنسان للأشجار بكميات كبيرة فتقل الغابات الطبيعية ولا يحل محلها نباتات جديدة لقلة المياه. والمياه هي أساس الحياة، إذ تعتمد عليه الحيوانات والنباتات كلياً، وشحته وانعدامه يقتل كل شيء الأخضر واليابس. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[6].

الحروب

          والسبب الثاني لنقص الغذاء هو الحروب التي تدمر العمران والمنشأت والمزارع وكل شيء تم تعميره. وحتى الإنسان يتأثر بها إما بالموت أو الأسر أو الهجرة العشوائية واللجوء إلى دول الجوار بعد أن يكون فقد بيته وماله وتفرق أهله وعشيرته. والإسلام يمنع القتل العشوائي دون الرجوع للحق، ويمنع نقض العهود، وقتل المعاهدين والمدنيين والنساء والأطفال والشيوخ ومن يدخل دين الإسلام. ولا يخفى على المتأمل أنَّ معظم الحروب الدائرة اليوم سواء في العالم الإسلامي أو خارجه قائمة على الطمع والمصالح الدنيوية والتقاتل على الأراضي والأموال والموارد الطبيعية كالبترول والمعادن النفيسة وغيرها. ولا علاقة لها بالدين أو رفع كلمة الله تعالى. ومعظم الحروب لم يبدأها المسلمون، بل اعداءهم والطامعين في أموالهم ومواردهم. والإسلام يقبل التعايش مع غير المسلمين تحت ظل المعاهدات والنظام الأمني والسلام. أما إذا اعتدوا على المسلمين وعلى أموالهم وأعراضهم ونقضوا عهودهم معهم فلا سلام ولا أمان لهم. قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[7]. وقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[8]. أي لا يكره أحد على الإسلام. وجاء في التفسير الميسر للآية الكريمة: "لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال"[9]. ولذا نجد أن معظم المسلمين الحاليين دخل آباءهم الإسلام بالتعايش السلمي وبكامل إرادتهم ولم يجبرهم أحد أو يقاتلهم عليه.

الكسل والإهمال

الكسل والإهمال من الأسباب الثانوية في الجوع. حيث تجد الكثير من الشعوب والدول العربية والإسلامية تمتلك الأراضي الخصبة والمياه وغيرها من احتياجات الزراعة، ومع ذلك تجدهم لا يهتمون بالزراعة ولا يعيرون لها بالاً. وتُهدر كل تلك الإمكانيات التي يمتلكونها دون الاستفادة منها. وذلك إما كسلاً أو ترفعا عن مهنة الفلاحة أو بسبب الانشغال بجمع المال بطرق أخرى. وهناك من يعتبر مهنة الفلاحة لا تليق بهم، بينما يعتمد على العمالة والتي تكون عادة قليلة التعليم والخبرة بالوسائل العصرية التي تزيد الإنتاج وترفع من مستوى الجودة. فينتج من ذلك قلة المزروع والإنتاج الغذائي الذي يعول عليه الناس في طعامهم؛ مما يضطر الناس للجوء إلى المستورد ودفع أسعاره الباهظة الثمن. ولا بأس من إستعمال العمالة لكن مع تدريبها بالطرق العلمية الصحيحة. وينبغي الحرص على حسن معاملتهم وتهيئة إقامة مناسبة لهم في جو صحي وطيب. وكذلك على إعطائهم أجور كاملة وأن تكون أجور معقولة. قال صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجِفَّ عرقُهُ)[10].

الفقر والتشرد والبطالة

          الفقر نفسه هو سبب في نقص الغذاء لأنه يشل حركة الإنسان ويحد من إمكانياته البدنية وحتى النفسية. فلو كان الإنسان معدم لما استطاع تملك أرض أو إيجارها لزراعتها، أو شراء حيوانات لتربيتها، أو شراء الأسمدة والمعدات والأغذية التي سيحتاجها. ونفس الشيء ينطبق على التشرد والبطالة، حيث تفقد الإنسان مقدرته على العمل بسهولة.

أسباب أخرى

وهناك أسباب أخرى للنقص الغذائي ذكرتها بعض المواقع، منها "الاضطرابات الأهلية، والاكتظاظ السكاني، وظروف السكن غير الآمنة، والأمراض المُعدِية، والجائحات، والتوسع العمراني"[11].

كيفية زيادة الإنتاج الغذائي

          لقد بدأ العالم يعى على مشكلة الغذاء العالمية، وبالفعل اتجهت كثير من الدول إلى زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني. ومن أهمها الصين التي قامت باستصلاح الأراضي الشاسعة، ثم امتد نشاطها إلى خارج الصين واستصلحت أراضي صحراوية في أفريقيا للزراعة. فلِمَ لا تحاول الشعوب المسلمة فعل نفس الشيء والإجتهاد فيه للقضاء على الجوع. وسنحاول هنا مناقشة بعض الطرق التي يمكن بها زيادة إنتاج الغذاء.

توفير المياه والأسمدة والأعلاف الحيوانية

          على المستثمرين في هذين المجالين البدء بتأمين مياه الري والأسمدة الزراعية والتربة الصالحة للزراعة. وكذلك توفير مياه الشرب للحيوانات والأعلاف اللازمة لها. وهذا في حد ذاته هو أول وأهم الخطوات في هذا المجال، حيث بدون التهيئة المناسبة وتوفير احتياجات النبات والحيوان لن ينمو شيء. ويمكن توفير ذلك بأبسط الطرق كما يمكن تطويرها بالتكنولوجيا، إعتمادا على الإمكانيات المتاحة ورأس مال المستثمر.

استغلال التكنولوجيا

          ذكرنا أن من أسباب قلة الغذاء إهمال الناس وتصغيرهم لشأن العمل في هذا المجال وانشغالهم بجمع المال بطرق أخرى وبالتكنولوجيا الحديثة أو غيرها من الأسباب. وفي الحقيقة أن التكنولوجيا لا تعارض الفلاحة، بل تعمل معها وتساعد على تطويرها وزيادة الإنتاج إن وجه الناس جهودهم فيها لتطوير الزراعة. فالمشكلة إذن في طرق تفكير الناس التي توجه جهودهم. ولذا كان التعليم وتوعية الناس أمر أساسي لتصحيح الوضع. وقد نجحت الدول في أوروبا وأمريكا وآسيا في تطوير الزراعة وتسهيل عملياتها باستعمال التقنيات الحديثة. وعلى العاملين في المجال الزراعي والحيواني استغلال التكنولوجيا لتسهيل أعمال الفلاحة وتقليب التربة وغرس البذور وقطع المحاصيل وجمعها وتغليفها. ومن ذاك إستعمال أنظمة الري الموقوتة أوتوماتيكيا لعمل في ساعات معينة لري الزرع. ومن أمثلتها أيضاً إستعمال الحاصدات الزراعية المتطورة التي سهلت الحصاد على المزارعين، والعلَّافات الأوتوماتيكية لإطعام الحيوانات كالأبقار والدواجن، وفقاسات البيض الأتوماتيكية، وعربات النظافة، وغيرها. وإستعمال المصانع الحديثة لتصنيع اللحوم والعصائر والأطعمة المحفوظة والمخبوزات والأفران الأتوماتيكية والمطاعة الحديثة وغيرها. وتقنيات حفظ الأطعمة الطازجة والمعلبة، وتقنيات استخلاص وتكرير الزيوت النباتية وغيرها الكثير.

توعية المجتمع بأهمية الاستثمار في قطاعات إنتاج الغذاء

          ومن الوسائل التي تساعد في تحقيق الأمن الغذائي هو تعليم الناس وتوعيتهم بأهمية الإنتاج الغذائي، وتشجيعهم للاستثمار فيه والعمل به. فإن وعي الناس لهذا الأمر لزادت المنتجات الغذائية ورخصت أسعار الطعام وأصبح في متناول الجميع وعم الخير في الدولة والعيشة الآمنة الطيبة. فالأسعار في الأسواق الحرة تخضع لقانون العرض والطلب. أي كلما زاد المعروض قل الطلب نسبياً وقلت الأسعار وخفت معاناة الفقراء في مجابهة الغلاء وتوفير لقمة العيش لهم ولصغارهم. وحتى لو لم تكن في شكل عملية تجارية احترافية وكانت بجهود فردية لأفادت. فمثلاً لو زرعت كل عائلة في حديقة بيتها بعض أشجار الفواكه والخضروات لأمنت من شبح الجوع في الأزمات. وربما استطاعت بيع الفائض عن حاجتها وتحصيل بعض المال لتغطية متطلباتها الحياتية الأخرى.

الجانب الديني

          هناك طرق أرشدنا إليها النبي صلى الله عليه وسلم لاستجلاب المطر والرزق عموماً، وعلى الناس التمسك بها والقيام بها جنباً إلى جنب مع الاجتهاد في العمل في مجالات إنتاج الغذاء، ومن ذلك:

صلاة الاستسقاء:

          لقد وردت صلاة الاستسقاء لطلب نزول المطر من الله، وقد ذكر الشيخ بن باز رحمه الله كيفيتها في قوله: "صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد، يصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا، يكبر تكبيرة الإحرام وستًا بعدها، ثم يستفتح، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر معها، ثم يركع ثم يرفع ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى الثانية فيصليها مثل صلاة العيد، يكبر خمس تكبيرات إذا اعتدل ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر معها، ثم يقرأ التحيات ويصلي على النبي ﷺ ثم يدعو ثم يسلم، مثل صلاة العيد، النبي صلاها كما كان يصلي في العيد عليه الصلاة والسلام"[12]. وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريئا، مريعا، غدقا مجللا، عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا)[13].

الاستغفار

الاستغفار من أسباب استجلاب المطر والرزق. قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)[14].

الدعاء

          الدعاء سلاح المؤمن في الكربات، فليلهج المتضررون بدعاء الله تعالى فرفع الجوع والحروب والمصائب. قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مُسلمٍ يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاثِ خِصالٍ إما أن يُعجِّلَ له دعوتَه وإما أن يَدَّخرَ له في الآخرةِ وإما أن يصرفَ عنه من السُّوءِ مثلَها)[15].

الصدقات والطاعات عموماً

لقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم على طاعات معينة تجلب سعة الرزق عموماً، وأهمها الإكثار من الصدقات ومساعدة المحتاجين، فالله ينفق عليك ويبارك لك في رزقك إذا أنفقت وتصدقت دون مَّن. قال صلى الله عليه وسلم: (ما نقصَ مالٌ من صدقةٍ)[16]. بالإضافة إلى الزواج وخلفة الأبناء وصلةِ الرحم والتوكُّل والصلاة والاستغفار والحج والعمرة.

الجانب السياسي

لا شك أن من أكبر أسباب عدم وجود الأمن الغذائي في كثير من دول العالم العربي والأفريقي هو من كيد الدول الصليبية التي تحيك لهم بالليل والنهار. حيث تجدها تنشر الاحتكاكات بين القبائل والشعب الواحد لتزعزع أمن البلاد ووحدتها. كما أن تنشر الفتن وكثير منها تعمل خلال المساعدات لتكسب بها الأتباع.

 

استخدام الجوع كسلاح في الحروب

والغذاء سلاح بيولوجي فتاك استعمله الأعداء في الحروب لإضعاف خصومهم. ولذا هو أهم ما يتسلح به المجتمع وتحمي به الدولة رعاياها. والعمل على توفيره يعد نوع من الجهاد ضد الأعداء ويأجرنا الله تعالى على السعي فيه. وكما قيل "من لا يملك قوته لا يملك قراره". وليس من السهل القضاء على أمة أمنت نفسها ورعاياها من خطر الجوع. فإن جاع الناس سلَّموا واستسلموا لعدوهم بسهولة ودون مقاومة؛ خوفا من ألم الجوع والموت أو العذاب به؛ ولذا يستخدمه اليهود في غزة اليوم لإضعاف أهلها وإنهاكهم بالوهن والمرض. ويستعمل أيضا في السودان والصومال وغيرها من بلاد الإسلام.

الحملات التنصيرية من خلال دعم الغذاء

          هناك منظمات خيرية تساهم في جمع التبرعات وتوزيع الغذاء في الأماكن المنكوبة بالحروب والأزمات الاقتصادية والأمنية وغيرها. ومعظمها مسلمة وتعمل للأجر ومساعدة الناس فيما يبدو، ولكن هناك واحدة منهن كان لابد لكاتب أن يكشف حقيقتها ويبين ما تعمل في الخفاء من شرور. وهي منظمة الأمم المتحدة (UN). وهذه المنظمة على قدر الخير الذي تقدمة على قدر الشر الذي يأتي منها. وربما أنا في قولي هذا لم اعتمد على منشور أو دراسة تبرهن على جرمها، ولكن ما يدعوني للكتابة عنها ما رأيناه تقوم به في أماكن الكوارث. فهي توزع غذاء نعم، ولكن توزع معه بذور شرورها. حيث تقوم بالترويج للمسيحية ونشرها بين الفقراء والبسطاء، وتستغل جوع الناس وبساطتهم وجهلهم وحاجتهم للطعام لتحولهم لمسيحين. وقد رأينا آثارها في المناطق التي عملت بها. رغم أنها تدعي الصلاح وتروج لنفسها بالدعاية بأنها تساعد المحتاجين وتعمل على السلام وغيره. هذا غير أنها ليست مسلمة وتزودها أمريكا بالغذاء وغيره لتعمل لمصالحها وتقوية شوكتها في المناطق الغنية بالثروات والبترول. ومن ثم يسهل عليها سرقته والتسلل به من بين أيدي البسطاء. وأوضح مثال لذلك ما جرى في جنوب السودان وغيره. وهذا يوضح أهمية الأمن الغذائي وكيف أنه يُستغل من قبل الدول الصليبية للسيطرة على موارد المسلمين وثرواتهم. والموضوع يحتاج لباحثين في هذا الأمر لبرهنته بالأرقام والأحداث والأدلة. هذا ما بدا لي برأي العين ولم أبحث الأمر بالبرهنة الفعلية. واناشد الباحثين لبحث ذلك لنفيه أو أثباته ومن ثم التحذير والحذر من التعامل معها.

وجوب اهتمام الدولة بالمجال الزراعي والحيواني

          ينبغي للدولة أن توجه جزء كبير من استثماراتها في المجال الزراعي والحيواني؛ وذلك لأنها توفر الغذاء لرعاياها. ورغم أن العائد قد يكون أقل قليلا من الإنتاج الصناعي إلا أن ذلك سيؤمن الغذاء لرعاياها وتحمي البلاد من خطر الجوع وتحكم الأعداء عليها عن طريق قطعه منها. وربما تتوسع فيه فتستطيع تصدير جزء منه للدول المجاورة والعالم الخارجي. ولذا عليها تخصيص الميزانية اللازمة لذلك، وتوفير المعدات والعمالة اللازمة.

دور الدولة في مساعدة العاملين والمستثمرين

          كما بينا أن الطعام هو عمود أساسي في اقتصاد الدولة وحاجة الناس، ولذا ينبغي على الدولة أن تركز جهودها فيه وتطويره. ويستحسن أن تعاون الدولة المستثمرين والعاملين في مجالي الإنتاج الزراعي والحيواني، ويمكن ذلك بعدة طرق، منها:

-      تيسير الوصول للماء وذلك ببناء الخزنات والبرك الصناعية وخطوط المياه وحفر الآبار وعمل القناطر وغيرها من الوسائل.

-      عمل أمطار صناعية بتلقيح السحب. وهي تقنية من مشروع هارب الذي بدأ في ولاية الأسكا الأمريكية ثم تبعتها دول أخرى. وتستعمل التحكم في المناخ لإنزال الأمطار. "والاستمطار هو عملية استثارة وحفز السحب والغيوم لإسقاط محتواها من المياه الكامنة أو الثلج المتجمد فوق مناطق جغرافية محددة، عن طريق استخدام وسائل صناعية ومواد كيميائية تعمل على تسريع عملية هطول الأمطار أو زيادة إدرار هذه السحب من المياه مقارنة بما يمكن أن تدره بشكل طبيعي"[17]. وهي تقنية مفيدة تساعد على نزول الأمطار لسقاية الأرض والزرع، مثلها مثل تقنية تلقيح النباتات صناعياً وغيرها من التقنيات التي يستفيد منها البشر.

-      يمكن أن تعطي الدولة المستثمرين قروض غير ربوية لتساعدهم في شراء المعدات اللازمة للإنتاج الزراعي والحيواني لحين تخرج ثمار الزرع وإنتاج الحيوانات.

-      إدخال مناهج تدريس كيفية الزراعة وتربية الحيوانات بكميات تجارية على المدارس من سن صغير لينشأ التلاميذ بهذا الفكر وتقييم العمل في هذين المجالين.

-      يفضل للدولة أن تستصلح الأراضي الصحراوية للاستفادة منها في الزراعة.

-      عمل دورات تدريبية للعاملين والمستثمرين في مجال الزراعة وتربية الحيوانات عن كيفية الزراعة الصحيحة وتربية الحيوانات. ولتوعية الناس وتثقيفهم بأهمية العمل في هذين المجالين لصالحهم وصالح الشعب.

-      يمكن للدولة أن تعطي صغار المزارعين قطع أراضي لاستصلاحها وزرعها بتشارك نسبي مع المزارع يقل تدريجيا كل عام بحيث يتملك المزارع الأرض الزراعية إن زرعها لمدة خمس سنوات. فتكسب بذلك الدولة استصلاح الأراضي وإنتاج الغذاء وتأمينه، ومساعدة الفقراء من رعاياها وكسب بعض الربح لمدة أربع سنوات. ويمكن استعمال النموذج التالي كمثال للعلاقة بين الدولة والمزارع:

 

 

وهذا مجرد نموذج يمكن تغييره بما يتوافق مع سياسة الدولة وتوجهها وما ترغب أن تساعد به المزارعين وحجم الأراضي التي ترغب باستغلاله في الزراعة وكمية الأموال المستثمرة فيها. ولكن يجب أن تلاحظ أنها لابد من أن تغري المزارع ليتشجع على الزراعة، ولابد أن ينال نصيب كافي منها لتسد حاجاته وحاجة اسرته. وإلا لما قبل أحد العرض وتشجع لأن يعمل في الزراعة. وعمله فيها يوفر غذاء له وللدولة والشعب جميعا. فذلك سيكون استثمار ذو فوائد مزدوجة.     

مجالات الاستثمار في الإنتاج الزراعي

هناك طرق كثيرة للاستفادة من الإنتاج الزراعي، ونذكر بعض منها على سبيل المثال:

-      زراعة الخضروات، ومنها زراعة الجذور مثل البطاطس والجزر والثوم.

-      زراعة الفواكه مثل الموز والمانجو وغيرها الكثير. وزراعة الحمضيات مثل البرتقال والليمون.

-      إنتاج السكر من قصب السكر.

-      زراعة وإنتاج الفطر غير سام.

-      زراعة الحبوب وإنتاج إنتاج الزيوت النباتية.

-      إنتاج الأعشاب البحرية والطحالب التي تؤكل في بعض مناطق العالم.

-      ويمكن الاستفادة منها في المنتجات غير الغذائية أيضاً مثل إنتاج الأخشاب وتصنيعها.

مجالات الاستثمار في الإنتاج الحيواني:

العمل في مجال الإنتاج الحيواني متعب نسبياً من بقية الأعمال، ومع ذلك فإن دخله جيد نسبة لإرتفاع أسعار اللحوم وكثرة الاستهلاك لمنتجات الألبان والبيض وغيرها. والتشجيع على الاستثمار فيه أمر يدر على الدولة الخير الكثير ويساعد على خفض أسعار اللحوم الباهظة وتخفيف معاناة الشعب. ويسهل على الأمهات والآباء توفير الحليب لأطفالهم والبيض الذي يحتاجونها بإستمرار. وهناك تنوع شاسع في الإمكانيات وأشكال الإنتاج في هذا المجال، ولكل منها احتياجاته الخاصة وسوقه وشعبيته. ومن تلك الصور:

-      تربية المواشي مثل الأبقار والأغنام والخراف والجمال لإنتاج اللحوم الحمراء.

-      تربية الدواجن لإنتاج البيض واللحوم. والدواجن ميزتها هي كثرة الإنتاج.

-      تربية الأسماك في البحيرات الصناعية.

-      إنتاج الألبان والجبون والسمن ومنتجاتها.

-      تربية النحل لإنتاج العسل الطبيعي.

-      تربية الأرانب لإنتاج اللحوم. وميزة الأرانب هي سرعة التوالد وكثر عدد المواليد في البطن الواحد. وهي مصدر جيد للحوم. ومن عيوبها هي عدم وجود شعبية كبيرة لها.

-      تربية سمك التونا وتصنيعها.

-      تربية الحيوانات البحرية مثل سرطانات البحر والجمبري وغيرها.

-      وهناك فوائد أخرى للمنتجات الحيوانية غير إنتاج الغذاء، مثل إنتاج الجلود الحيوانية، وتربية الغزلان واستخراج المسك، وتربية التماسيح للجلود، وغيرها.

الخاتمة

المخزون الغذائي والأمن الغذائي هما من أهم العوامل لتقوية الدولة المسلمة، ولذا علينا جميعا التكاتف للمساعدة في حل هذه المشكلة. وعلى الأقل هي عمل لكسب الأجر ونفع النفس والناس بالثمار والحيوانات وتأمين الغذاء للفرد والمجتمع. ونسأل الله تعالى أن يؤمن المسلمين من شر الجوع والفقر والفاقة ويحفظهم من كيد أعدائهم ويحفظ لهم بلادهم ومواردهم وأموالهم. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصادر والمراجع

-      القرآن الكريم.

-      الدرر السنية لتخريج الأحاديث.

 

[1] تحديث الأمن الغذائي، مجموعة البنك الدولي، الموقع الإلكتروني.

[2] أخرجه البخاري (2320)، ومسلم (1553).

[3] الأنفال 60.

[4] الواقعة 63-64.

[5] ترجمة ومعنى الزحف الصحراوي في قاموس المعاني عربي انجليزي.

[6] الأنبياء 30.

[7] البقرة 193.

[8] البقرة 256.

[9] التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، تفسير سورة البقرة، آية 256.

[10] أخرجه ابن ماجه (2443)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (744) واللفظ له.

[11] جون إي. مورلي، كلية الطب بجامعة سانت لويس، نقص التغذية، دليل ام اس دس.

[12] صلاة الاستسقاء، ابن باز، الموقع الرسمي للشيخ بن باز.

[13] ذكره الفيروز آبادي في سفر السعادة (125)، وحكم عليه بأنه ثابت.

[14] نوح 10-12.

[15] ذكره الشوكاني فتح القدير (1/274)، وقال ثابت. وأخرجه أحمد (11133)، وأبو يعلى (1019)، وعبد بن حميد في ((المسند)) (935) باختلاف يسير.

[16] صححه ابن اللقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/7).

[17] الاستمطار الصناعي.. آفاق وتحديات، وحيد محمد مفضل، الجزيرة نت، 23/4/2016م.

أسطورة تغيير الجنس

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

          لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وجعل منه الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما وظيفة معينة يقوم بها. والذكر كان هو الأصل الذي سبق خلقه، حين نفخ الله تعالى الروح في جسم آدم عليه السلام. ثم خلق حواء من ضلعه الأيسر لتكون له رفيقاً وصاحبة. وكل من الرجل والمرأة مكلف في هذه الحياة ويواجه نفس المصير في الدار الآخرة. أي سيمر بمرحلة الموت والبعث والحساب والجزاء ثم القرار في مكانه من جنة أو نار. والنساء شقائق الرجال، ولهن حقوق وفروض وواجبات كما للرجال. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[1]. وقال: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)[2].

وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يكون الرجل والمرأة مختلفان لحكم وفوائد كثيرة، منها أن هذا التنوع يجلب السعادة للإنسان. فكل من النوعين مجبول على محبة الآخر والسكون إليه والانجذاب له. وهذا في حد ذاته مهم لعملية التزاوج واستمرار وجود البشر على وجه الأرض. ووجود كل منهما مهم للآخر نفسياً وجسدياً وروحياً. فهما مكملان لبعضهما البعض. ولذا يشعر الكثير من الناس بداخله بشيء ينقصه ونوع من الجفاف العاطفي والروحي عند غياب الأخر لفترة طويلة. كما تجد أن أسعد يوم في حياة الإنسان رجلاً كان أو امرأة هو يوم زواجه. وهذا بالطبع في الأحوال الطبيعية التي لا يشوبها قسر أو جبر على الزواج. وحتى لو انتهى الزواج بالفشل فإن بدايته تكون قامت على أمل السعادة، وإلا لما أقدم عليه إنسان بإرادته.

ووجود الجنسين مهم لإتمام عملية التزاوج التي يتكاثر بها البشر. ورغم أن الأم هي من تحمل العبء الأكبر في هذه المسؤولية إلا أن وجود الرجل مهم أيضاً؛ حيث يخفف عنها ويساعدها حتى تتمكن من الوصول بالطفل إلى بر الأمان. ثم بعد الولادة لابد من أحد يسعي في طلب الرزق حتى تسد الاحتياجات الضرورية لها وللرضيع. ووجود الأب مهم أيضاً في التربية وتأديب الأبناء حتى ينشؤوا مستقيمين أكثر على طاعة الله. وقد لوحظ الفرق بين الأطفال الذين نشأوا بين أبوين من أقرانهم الذين نشأوا بدون وجود الأب حولهم؛ حيث تجد سلوكهم عادة أفضل وأكثر استقامة. وهذا بالطبع لحنان الأم الزائد وحزم الأب مع الصغار.

ومن ابداع خلق الله تعالى أنه جعل الجنين ينمو في رحم أمه ويتطور ليخرج إنسان كامل بعد أن كان ماءاً من الذكر مختلطاً ببويضة الأنثى في الرحم. وتلك معجزة ربانية تبرهن على وجود الله وإدارته لهذا الكون بحكمة. وهذا أمر لا يقدر على عمله البشر أو غيرهم ويعجزون عن الإتيان بمثله. والله تعالى يجعله يصير بكلمة كُنّ. قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)[3]. ويخرج من ذلك طفل جميل مكتمل الخلقة ومتقن الصنع. ويكون ذكراً أو أنثى (إلا في حالات نادرة يأتي فيها طفل مخنث به أعضاء الذكورة والأنوثة).

والرجل والمرأة جنسان مختلفان لنوع واحد وهو الإنسان، وشتان ما بين الاثنين. فهما قريبان في البنية العامة ولكن يختلفان جسدياً وفكرياً وعاطفياً وحتى سلوكياً. وأهم إختلاف عضوي يفرقهما أن لكل منهما العضو التناسلي المخصص له. كما أن الرجل له صفات الرجولة، ويكون عادة كبير وقوي البنية ومسترجل لما به من صفات الرجولة الأخرى. بينما المرأة تتميز بالصفات الأنثوية مثل طول الشعر ونعومة البشرة ورقة الصوت والجسم المخصر وغيرها، وتكون عادة أقل طولاً وقوة من الرجل.

والجينات الوراثية تختلف أيضاً بين الرجل والمرأة، ولذا تختلف الصفات الجسدية بينهما. فتجد أمراض تكثر في جنس دون الآخر. فمثلا من الأمراض التي تصيب الرجال أكثر من النساء "أمراض القلب، والتوحد، وبعض أنواع السرطانات، والسكري، والأنفلونزا، وعمى الألوان"[4]. بينما النساء أكثر عرضة لأمراض "المسالك البولية، وهشاشة العظام، ارتفاع ضغط الدم، والألم العضلي الليفي"[5]. هذا غير أن سلوكيات المرأة وشخصيتها تختلف عن الرجل، فالنساء تميل للعاطفة ويكن "أكثر دفئا وحساسية غالبا، بينما يكون الرجال أكثر حزماً"[6].

هذا غير ما أثبتته الدراسات بأن هناك فرق بين مخيّ الرجل والمرأة. "ونُشرت مؤخرا دراسة عن جامعة ستانفورد الأمريكية أكدت رصْد فرق في العمل الوظيفي للدماغ حسب الجنس ... ومن الأكيد أن حجم الدماغ لدى الرجل أكبر بقليل من حجم الدماغ لدى المرأة. اعتبر بعض الباحثين قديما أن ذلك الفرق علامة على قدرة دماغية أكبر لدى الرجال، قبل أن يتضح أن حجم الدماغ يتماشى مع حجم الجسم ككل."[7]. ولا عجب في ذلك؛ فقد بين الله تعالى أن الذكر يختلف عن الأنثى في قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ)[8]. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ المرأةَ خُلِقتْ من ضلعٍ وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاُه فإنْ ذهبتَ تُقيمَهُ كسرتَهُ وإنِ استمتعتَ به استمتعتَ بها وفيها عِوَجٌ)[9].

والمتأمل لما ظهر اليوم فيما يعرف بتغيير الجنس لا يجده إلا مجرد أسطورة يضحكون بها على عقول العالم. وهو عمل يناقض الفطرة. فلا يستطيع الرجل أن يصير امرأة ولا تستطيع المرأة أن تكون رجل. وذلك حتى لو أجروا عمليات تغيير الأجهزة التناسلية وتغيير الشكل الخارجي بالهرمونات وعمليات التجميل فلن يغير ذلك شيء. إذ ما بداخل الإنسان هو ذلك الشخص الذي نشأ وكبر بشخصية فطرته التي فطره الله عليه. ومحاولة تغيير ذلك لابد أن تفشل لأنها محاولة لإنكاس الفطرة. كما أنها تطمس معالم الجمال التي اختص الله بها كل من الجنسين. فالمرأة جمالها في أنوثتها ورقتها وشخصيتها يطغى على جمالها الجسدي ويكمله. كما أن الرجل جماله يظهر في رجولته وشخصيته وقوته التي تكسو جسده. وتغيير الشكل الخارجي لا يمكن أن يغير ذلك أو يمحوه. بل ينتج منه مخلوق غريب غير مفهوم الأطوار وغير مريح النظر إليه أو التعامل معه. بل يكون عادة منفراً لأصحاب الفطرة السوية. فلا أحد يستسيغ أن يرى رجلا بآثار لحيته يلبس فستان أو له ثديين. وكذلك تلك المرأة مهما غيرت من شكلها لتصبح رجل فإن ما بداخلها أنثى لا تقوى على أن تكون رجلاً أو تتصرف كذلك. فمخها لا يزال يعمل كمخ الأنثى، وكذلك الرجل المتحول لأنثى مخه لايزال يعمل كمخ الرجل.

وكم من أشخاص تحولوا وندموا أشد الندم وخرجوا في مقاطع يبكون على أنفسهم ويتحسرون عليها. ومنهم من لام الأطباء على ذلك. وكثير منهم تمنى الرجوع ولكن بعد ماذا؟ فالمرأة التي تحولت إلى رجل وتخلصت من معالم أنوثتها وجمالها وجسمها المُخنصر وشعرها ومظهرها الجذاب وأبدلتها بنمو اللحية والشارب ومظاهر الرجولة كيف لها أن ترجع كما كانت؟ لقد أهدرت جمالها ورمته ظناً منها أنها يمكن أن تصير رجلاً، ثم وجدت أنها لن تقوى على ذلك ولا يريحها ولا يسعدها. وفقدت أحبابها وصديقاتها وأهلها، وهرب منها أبناءها وأخواتها. وهجرها زوجها ونفر منها؛ حتى اشتاقت لرجل يحبها ويراها ويعاملها ويدللها كأنثى تفخر بجمالها وأنوثتها. فتندم بعد لا ينفع الندم، وتجلس تبكي على اللبن المسكوب الذي لا يمكن جمعه، بعد أن أضاعت جمالها الذي هو أكبر رأس مالها في لعبة الحياة. والاسوأ في ذلك أنها أقدمت على ذلك بفعل يديها؛ فيزيد ذلك الندم شدة وألما عليها. ومثال لذلك قصة "ستيلا أومالي التي خضعت لإجراء عملية تغيير للجنس من أنثى إلى ذكر وتشعر بالندم الشديد الآن ... وعندما شاهدت أومالي فيديو حفل زفاف فتاة شعرت بالحزن بشكل لا يصدق"[10].

وكذلك الرجل الذي ألقى برجولته والتفضيل والقوامة اللتان وهبهما الله إياه وراء ظهره؛ فطمث معالمها وتخلص من لحيته وشاربه وعضوه الذكري وذرع رحم وثديين ونمى فخذين كشكل جسم المرأة ثم وجد بعد فترة أن يكون أنثى ممل له وليس طبعه ولا يستسيغه أو يأنس به. وقد أضحك عليه العالم وتهكموا به وفقد شعبيته وجمهوره أو على الأقل أصحابه وأحبابه. وأصبح محل إنتقاد الناس ولا يسلم من ألسنتهم بالليل والنهار ولا من تنمرهم وسخريتهم واستهزاءهم. وغالبا ما يفقد عمله ومكانته بعد أن يكون أضاع ماله في عمليات التحويل والتجميل. فأصبح فقيرا معدماً ووحيدا منبوذا لا يقرب منه أحد كأنه مبروص أو أجزم. ولا يساعده أحد بعد أن مقته الناس وكرهوا أفعاله. وصار شكله كالأنثى المسترجلة عريضة المكبين كبيرة اليدين والقدمين طويلة القوام لا خصر لها يذكر أو جمال يجذب. وصوتها لا يصلح أن يكون لامرأة ولا رجل. وواضح عليها أو عليه تصنع الجمال بأصباغ التجميل والملابس النسوية والألوان المبهرجة. ومع ذلك تبدو قبيحة وتكاد تخلو من أي معالم للأنوثة. وحتى إن حصلت ذلك فليس لها شخصية المرأة الأنيسة، بل تكون كالبواب الذي يقف على باب العمارة ينتظر من ينظر إليه أو يلقي له بالاً. أو كحارس الغابة الوحيد الذي لا يتكلم معه أحد أو يزوره.

والاسوأ في الأمر أن تجد هؤلاء المتحولات يظهرن بملابس فاضحة جداً وشبه عارية، ويكن مستعدات لكشف صدورهن دون ساتر يذكر وليس لهن عادة الحياء الفطري الذي عند النساء في ذلك. وربما ذلك لأن الواحدة منهن كانت في الأصل رجل ولا مشكلة عنده من إظهار صدره بالكامل. ولكن المشكلة هنا أن شكلها تغير وأصبح يشبه النساء ويثير الفتنة والفضيحة وسط العامة وهن لا يبالين بمن حولهن ولا بالتستر.

ومن يحول جنسه فإنه يغير خلق الله المنهي عن تغييره في النصوص، مثل قوله تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا)[11]. فلا يحل لإنسان أن يغير خلقته التي قدرها الله له. ومن يفعل ذلك يفعله لعدم رضاه بأقدار الله تعالى عليه. ويستثنى من ذلك من لديه سبب شرعي كأن يكون قد وُلِد اخنث، أي غير متبين الجنس ولديه أعضاء الجنسين. فمثله يفضل أن ينتظر لبعد البلوغ ليتضح الجنس الأكثر قرابة له. ومن الأدلة أيضاً ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لعنَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الواشِماتِ، والمستَوشِماتِ، والمتنمِّصاتِ، والمتفلِّجاتِ للحُسنِ، المغيِّراتِ لخلقِ اللَّهِ)[12]. فهذا الحديث أشار إلى النهي عن الوشم والنمص وتفليج الأسنان، وهي أفعال صغيرة نسبياً، ومع ذلك توجب اللعن والطرد من رحمة الله. فما بالك أن يجري الإنسان عملية لتغيير جنسه وهو أكثر شيء يميزه؟؟ إن هذا لأشد وأكبر إجراماً، وفيه إعتراضاً على حكم الله وعدم الرضى بقضائه والتمادي في عصيانه. كما أنه قد يقود إلى أضرار جسيمة على المتحول وعلى المجتمع معاً، وفيه قطع للنسل والذرية. والمتحول يخضع لعمليات جراحية مكلفة ومؤلمة وقد تودي بحياته. وقد جاء من مقاصد الشريعة وجوب الحفاظ على النفس والنسل. بالإضافة إلى مقت المسلمين وتجريمهم لهذا الفعل لما فيه من إفساد للمجتمع. فالمتحول كيف سيُعامَل بعد تحوله؟ فإن كان رجلاً وتحول لامرأة أين سيكون مكانه؟ ومع من سيجلس ويصاحب؟ وما نوع المدارس التي سيدرس فيها والمستشفيات التي سيتعالج بها ومقاعد البص التي سيجلس عليها؟ وما نوع المراحيض التي سيستعملها؟! هل سيغزو حمامات النساء ويزاحمهم في استراحاتهم وهو في داخله رجل متنكر؟ أم أنه سيكلف الدولة والمؤسسات ببناء مراحيض خاصة لنوعه؟ أو سيستمر باستعمال مراحيض الرجال وهو على شكل امرأة حتى يتم اغتصابه كل يوم؟ أو ربما الأفضل للمجتمع أن يمنع أمثاله من استعمال المراحيض العامة تماماً!! إن هذا سيجر من البلبلة والخسار والكلفة للمجتمع الكثير. كما أنه يقود لوقوع مشاكل أخلاقية كثيرة وفساد كبير. حيث تخيل أن رجل متنكر يكون بين النساء؟ فهل التحويل ذلك سيغير فطرته ويمحو ميله الطبيعي للنساء؟ وكذلك العكس في حالة المرأة المتحولة للرجل هل سيلغي التحويل ميلها الفطري للرجال؟ إن هذا لمنكر عظيم وتلفيق للحقائق وتنكيسٌ للفطرة. وكذلك المرأة المتحولة لرجل أين سيكون مكانها؟ بين الرجال وهي لا تزال بداخلها تلك المخلوقة الضعيفة نسبيا ورقيقة المشاعر ومليئة بالعاطفة. فكيف لها أن تجلس بين الرجال وتؤاكلهم وتنام معهم؟ وهل ستتأقلم مع خشونتهم وطباعهم وسلوكياتهم؟ وهل ستستطيع مواكبتهم في ألعابهم وأحاديثهم وعاداتهم؟ فكيف للناس تجاهل كل ذلك وتقبل هذه العاهات بينهم. إن هذا أمر منفر وغير مقبول ولا يجلب إلا الخلط والبلبلة والنفور في المجتمع. كما أنه قد يزيد التكلفة على الدولة بتحمل أعباء إيواء هذين النوعين الجديدين من الجنس في الخدمات والمرافق العامة وغيرها.

وفوق كل ذلك تجد أكثر المتحولين غريب الأطوار والمظهر وربما قبيح بعد أن يكون قد خرب شكله بيده وطمس فيه كل ما يمت للجمال بصلة. وكأنه مسخ اختياري ذهب إليه برجليه وصار يشبه القردة والخنازير. ومع ذلك فإن القردة والخنازير أفضل منه؛ لأنهم لم يخربوا خلقة الله التي فطرها عليهم. فهم أكثر قبولاً عند الناس ولا يتأذى الإنسان برؤيتهم كما يتأذى برؤية ذلك المتحول، الذي بدَّل وغير وظلم نفسه في الدنيا والآخرة وصار كمن قال الله تعالى فيهم: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)[13]. ولذلك كثيرا ما يتعرض المتحولين للتنمر والازدراء. وقد جاء في موقع الطبي "يتعرض المتحولون جنسياً لما يعرف بتوتر الأقليات الجنسية، ولذا قد يكونوا عرضة للإساءة العاطفية والنفسية، والعنف الجسدي والجنسي، والعدوى المنقولة جنسيًّا، وإدمان العقاقير المخدرة، ومشكلات الصحة العقلية كالاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية"[14]. ولذا يكون المتحول عادة شخص وحيد بلا أصدقاء وينفر منه الناس. فهو مخلوق غريب على كوكب الأرض ودخيل على البشرية ... غير مُرحَّبٌ به ولا يروق لأحد وجوده ولا يُسَرُّ إنسان برؤيته ولا يرغب بالزواج منه أي شخص رجلا كان أو امرأة. وربما الرحيل أفضل له وللجميع حتى يحمى المجتمع منه ومن شروره. ولذلك تجد أمثاله عادة يقضي وقته بين دهاليز اليوتيوب بالليل والنهار ليبحث عن أصدقاء ومتابعين ويحاول أن يخدع نفسه ومتابعيه بأنه شخص مقبول ولا بأس به بينما ينشر سمومه بين الناس وأفكاره السوداء كسواد قلبه. ويكون عادة بعيد كل البعد عن الإسلام، فلا صلاة له ولا دين ولا تقوى. ويظهر بمظهر غير لائق؛ في أشد صور التبرج والخلاعة والملابس الفاضحة. وكلامه وحركاته مملوءة بالمياعة والفسق. فهو نسى الله منذ أن غير جنسه فنسيه الله وتركه لنفسه يهلكها كيف يشاء. وهذا الكلام يمكن فهمه عند فتح أي من قنوات هؤلاء المتحولين والتأمل في حاله. ولا نزال نسأل الله له ولأمثاله الهداية حتى لا يضل غيره وينتشر سمه في بدن الأمة. وربما أنه قد ندم على ما فعل ويريد التوبة ويترك عنه تكبره على خالقه وعلى ما اختاره له من جنس وما قدر له من حياة. ولعل بعضهم تاب ويقبل الله منه، ومع ذلك يصعب عليه الرجوع عن تغيير جنسه؛ حيث هو تخلص من أعضائه الجنسية وخرب خلقته الأصلية ... ومحاولة إرجاعها سيكلفه الكثير ولن يعود كما كان. فيصير عليه العيش بما آل إليه قسرا حتى ولو ندم عليه.

وعملية تغيير الجنس هي رحلة طويلة وشاقة وتستلزم أدوية وزيارات كثيرة للطبيب مما يجعلها باهظة الثمن. ويبدو هذا الأمر كله وكأنه مُدبَّرٌ من قِبل شركات التأمين والحقل الصحي والرأسمالية لكسب المال بعمل كل تلك العمليات الباهظة الثمن وبيع كل هرمونات التحول وغيرها من التكاليف الصحية التي يتحملها المتحولون. ولا ننسى أن المتحول يحتاج الاستمرار على أخذ الأدوية والهرمونات التي تبقى على شكله الجديد مدى الحياة. حيث على المتحول لأنثى أن يخفض معدل هرمون الـ (testosterone) الذكري ويرفع معدل هرمون الـ (estrogen) الأنثوي في جسمه بإستمرار. والعكس للمتحولة لرجل. وهذا يُفرح شركات الأدوية والصيدليات التي ستحصل منه على دخل إضافي ثابت. ولذا تجد هؤلاء وغيرهم يروجون لهذه الأكذوبة من خلال الإعلام والقنوات الإذاعية ومواقع التواصل ليضحكوا على عقول الناس ويجعلوهم يقبلوا هذه الـمهزلة، ويصدقوها ويهرعوا إليها. وكأنهم يساقون للموت ولكن بأرجلهم وكامل إرادتهم. وصاروا ينشرون هذا الفكر المنحرف حتى بين الأطفال الذين لا إدراك لهم بمعنى الجنس الفطري وماهيته ويجعلوهم يرفضونه وهم قُصر قبل أن يصلوا حتى مرحلة المراهقة أو يصيروا رجالاً ونساءً. وقد فرضت بعض الحكومات الغربية إعطاء الطفل حريته ليقرر جنسه حتى يتبعهم برأسه الجاهل لصغر سنه. ويغرونه بالتشجيع الكاذب وإقناعه أنه على صواب وأنه يحتاج تغيير جنسه. فلا يقبل نصح أبويه ولا سلطة لهم عليه ليمنعوه عن تدمير نفسه. وإن حاولوا أخذته السلطات منهم بحجة إساءة معاملته. فيكسب المستفيدون من ذلك الجولة على حساب ذلك الطفل البريء وأسرته المكلومة. ثم يكبر ليندم أشد الندم ويدفع الثمن غالياً دون ذنب له سوى متابعته للمروجين دون فهم ولا عقل. إذ كيف لطفل صغير التمييز بين ما يصلح له وما يضره؟ وبالإضافة إلى جلب المال فإن المروجون له يكسبون من ذلك إضعاف الناس ليسهل التحكم بهم واللعب بهم وبعقولهم. وهذا كله يبدوا أن له صلة بالماسونية. فمثل تلك الشرور والفواحش عادة تأتي منهم. وهم لا رقيب لهم ولا حسيب يوقفهم فيما يقومون به من تضليل الناس والتحكم بهم وسرقة أموالهم وبرمجة عقولهم بالإعلام المخادع. ولا يحسب هؤلاء أن الله غافل عنهم وعن فسادهم في الأرض، بل هو ينظرهم ليتمادوا في كفرهم وشرهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحتى إن لم يلقوا عقابهم في هذه الحياة الدنيا فإن الأخرة تنتظرهم حين تفتح لهم أبواب جهنم ويُقالُ لهم ادخلوها داخرين ذليلين. قال تعالى: (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)[15]. وقال: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)[16].

ونحن كأمة مسلمة تخشى على دينها وأبنائها علينا حماية مجتمعاتنا من شرور المتحولين، وتحذير الناس منه لاسيما الشباب. وحبذا أن يُدرَّس هذا الموضوع في المدارس لتعليم النشء مضاره وعواقبه وأنه أمر مخالف لديننا يخرب حياتهم ولا خير فيه ولا سعادة، ولا يجلب لهم سوى التعاسة والشقاء والندم. وليبدأ ذلك في المدارس الابتدائية قبل دخول التلاميذ مرحلة المراهقة لتوعيتهم قبلها وتحذيرهم منها. فإذا وصلوا تلك المرحلة يكونوا مدركين لما يُكاد لهم ومتحصنين منه. ويا ليت أن يتعاون الناس في تبني هذه الفكرة ويطالبوا بتطبيقها، ويوحدوا كلمتهم حتى يصل طلبهم لمسامع المسؤولين ويشرعوا في حله. وهذا اقل احتياط يمكن فعله. وكذلك ينبغي إجراء دراسات محكمة للوصول لحلول أخرى لهذه المشكلة العويصة والتي أصبحت تهجم على شبابنا ومجتمعاتنا الإسلامية.

وفي الختام اسأل الله تعالى أن يحمي أبناءنا وبناتنا من هذه الأفكار الدخيلة ويحفظهم من كل سوء ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصادر والمراجع:

-      القرآن الكريم

-      تخريج الأحاديث من موقع الدرر السنية.



[1] الحجرات 13.

[2] آل عمران 195.

[3] يس 82.

[4] أمراض تصيب الرجال أكثر من النساء، ياسمين ياسين، موقع الطبي، 9/3/2020م.

[5] أربعة أمراض أكثر شيوعا بين النساء، الجزيرة نت.

[6] 5 فروق خفية يكشفها العلم بين الرجال والنساء، ليلى علي، 4/1/2021م، الجزيرة نت.

[7] "ناقصات عقل"؟ ما قول العلم في الفرق بين دماغ المرأة والرجل ؟، مجلة فرانس أربعة وعشرين الإلكترونية، نشرت في: 08/03/2024م.

[8] آل عمران 36,

[9] ذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (2/179)، وصححه.

[10] ندم بين متحولين جنسيا، الجزيرة نت، بتصرف يسير.

[11] النساء 117-119.

[12] صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1631). وأخرجه ابن ماجه (1989) واللفظ له، وأخرجه البخاري (4886)، ومسلم (2125) باختلاف يسير.

[13] المائدة 60.

[14] المشكلات الصحية للأشخاص المتحولين جنسيًا، نمط الحياة الصحية، موقع الطبي، بتصرف يسير.

[15] غافر 76.

[16] السجدة 12.