دورة أصول الفقه للمبدئين - الدرس الثالث عشر

الدرس الثالث عشر: الناسخ والمنسوخ

قال الله تعالى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة ١٠٦)


أهداف الدرس

بعد دراسة هذا الدرس ستكون قادرًا على:

  • تعريف النسخ.
  • معرفة الحكمة من تشريع النسخ.
  • التمييز بين النسخ والتخصيص.
  • معرفة شروط ثبوت النسخ.
  • التعرف على أنواع النسخ.
  • تطبيق قواعد النسخ على بعض الأمثلة.

أولًا: ما هو النسخ؟

النسخ لغةً

يطلق النسخ في اللغة على عدة معانٍ، أشهرها:

  • الإزالة.
  • النقل.

النسخ اصطلاحًا

هو:

رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه.

فإذا جاء حكم شرعي، ثم جاء بعده دليل صحيح يرفع ذلك الحكم، سُمِّي هذا نسخًا.


شرح التعريف

يتضمن النسخ أربعة عناصر:

1.  وجود حكم شرعي ثابت.

2.  وجود دليل شرعي آخر.

3.  أن يكون الدليل الثاني متأخرًا عن الأول.

4.  أن يرفع الحكم الأول كليًا أو جزئيًا بحسب نوع النسخ.


ثانيًا: الحكمة من النسخ

شرع الله النسخ لحِكم عظيمة، منها:

1- التدرج في التشريع

ومن أوضح الأمثلة:

تحريم الخمر.


2- التيسير على المكلفين

قال تعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾


3- ابتلاء المؤمنين

ليظهر من يمتثل أمر الله في كل مرحلة من مراحل التشريع.


4- مراعاة مصالح العباد

فقد تختلف الأحكام بحسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية في زمن التشريع.


ثالثًا: هل وقع النسخ؟

نعم.

أجمع أهل السنة على وقوع النسخ في الشريعة في حياة النبي ﷺ.

أما بعد وفاة النبي ﷺ فلا نسخ؛ لانقطاع الوحي.


رابعًا: شروط ثبوت النسخ

لا يثبت النسخ إلا إذا توفرت الشروط الآتية:

1- وجود تعارض حقيقي

بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين.

فإذا أمكن الجمع، فلا يُصار إلى النسخ.

وهذه قاعدة مهمة؛ لأن الجمع بين الأدلة أولى من ادعاء النسخ.


2- معرفة المتقدم والمتأخر

فلا يمكن القول بالنسخ إلا إذا ثبت أن أحد الدليلين متأخر عن الآخر.


3- أن يكون الناسخ دليلًا شرعيًا

فلا ينسخ الحكم بالرأي أو القياس.


4- أن يكون الحكم الأول قابلًا للنسخ

أما الأخبار المحضة فلا يدخلها النسخ.

فمثلًا:

الإخبار عن أسماء الله وصفاته، أو عن الأمم السابقة، لا يُنسخ.


خامسًا: أنواع النسخ

ذكر العلماء ثلاثة أنواع مشهورة:


النوع الأول

نسخ الحكم وبقاء التلاوة

وهو أشهر الأنواع.

أي:

تبقى الآية تُتلى، لكن الحكم الذي دلت عليه قد نُسخ.

مثال

قال تعالى:

﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾

فقد خُفف حكم مصابرة المسلمين لعدوهم، بعد أن كان الواجب أن يصابر الواحد عشرة، ثم صار يصابر اثنين.


النوع الثاني

نسخ التلاوة وبقاء الحكم

ومثاله مما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة في باب الرجم.

وهذا النوع محل بحث في علوم القرآن، ويُثبت بما صح من النصوص.


النوع الثالث

نسخ الحكم والتلاوة معًا

وقد ذكره جماعة من العلماء، وأثبتوا له أمثلة وردت في السنة.


سادسًا: مثال التدرج في تحريم الخمر

من أشهر أمثلة النسخ:

المرحلة الأولى

الإشارة إلى وجود منافع ومضار.

قال تعالى:

﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾


المرحلة الثانية

النهي عن الصلاة حال السكر.

قال تعالى:

﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾


المرحلة الثالثة

التحريم النهائي.

قال تعالى:

﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾

فاستقر الحكم على التحريم.


سابعًا: الفرق بين النسخ والتخصيص

يختلط هذان البابان على كثير من الطلاب.

النسخ

التخصيص

رفع الحكم

إخراج بعض أفراد العام

يكون في الأحكام

يكون غالبًا في العمومات

يشترط معرفة المتأخر

لا يشترط ذلك على هذا الوجه

يزول الحكم المنسوخ

يبقى الحكم في بقية الأفراد


مثال

قوله تعالى:

﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾

ثم جاء الحديث:

«لا يرث القاتل

هذا تخصيص وليس نسخًا؛ لأن الحكم بقي لبقية الأولاد.


ثامنًا: هل يجوز التوسع في دعوى النسخ؟

الجواب:

لا.

بل يجب الاحتياط.

قال العلماء:

لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة وثبت التاريخ.

ولهذا قلل العلماء المحققون من الآيات التي ثبت فيها النسخ، بعد أن كان بعض المتقدمين يوسعون دائرته.


تاسعًا: أمثلة ليست من النسخ

ليست كل صورة يظنها البعض نسخًا تعد نسخًا.

فمن ذلك:

  • تخصيص العام.
  • تقييد المطلق.
  • بيان المجمل.
  • اختلاف الأحوال والأشخاص.

ولذلك يجب على طالب العلم أن يميز بينها.


خريطة ذهنية

الناسخ والمنسوخ

── تعريف النسخ

── حكمته

── شروطه

── أنواعه

     نسخ الحكم

     نسخ التلاوة

     نسخهما معًا

── الفرق بينه وبين التخصيص


قواعد أصولية مهمة

1.  الأصل العمل بجميع الأدلة ما أمكن.

2.  الجمع بين الأدلة أولى من ادعاء النسخ.

3.  لا يثبت النسخ بالاحتمال.

4.  يشترط معرفة المتقدم والمتأخر للحكم بالنسخ.

5.  لا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ؛ لانقطاع الوحي.


خلاصة الدرس

  • النسخ هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر.
  • وقع النسخ في حياة النبي ﷺ لحكم عظيمة، منها التدرج في التشريع والتيسير.
  • لا يثبت النسخ إلا بتوافر شروطه، وأهمها تعذر الجمع ومعرفة المتقدم والمتأخر.
  • من أشهر أمثلته التدرج في تحريم الخمر.
  • يجب التفريق بين النسخ والتخصيص، فلا يُدعى النسخ إلا بدليل.

أسئلة للمراجعة

1.  ما تعريف النسخ اصطلاحًا؟

2.  ما الحكمة من تشريع النسخ؟

3.  ما شروط ثبوت النسخ؟

4.  ما أنواع النسخ؟

5.  ما الفرق بين النسخ والتخصيص؟

6.  لماذا لا يجوز التوسع في دعوى النسخ؟

7.  اذكر مثالًا صحيحًا على النسخ، وآخر على التخصيص.


تنبيه علمي

ينبغي لطالب العلم أن يعلم أن باب النسخ من أدق أبواب أصول الفقه وعلوم القرآن، ولذلك شدد العلماء في إثباته. وقد قرر المحققون، مثل أبو جعفر النحاس، وابن العربي المالكي، وابن القيم، ومحمد الأمين الشنقيطي، أن كثيرًا مما عده بعض المتقدمين منسوخًا يمكن الجمع بين أدلته، فلا يكون من النسخ في الحقيقة.


تمهيد للدرس الرابع عشر

في الدرس القادم سندرس مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة (دلالة المفهوم)، ونتعرف على:

  • تعريف المنطوق والمفهوم.
  • مفهوم الموافقة.
  • مفهوم المخالفة.
  • أنواع مفهوم المخالفة.
  • شروط الاحتجاج به.
  • أمثلة تطبيقية من القرآن والسنة.

وهذا الباب من أهم أبواب دلالات الألفاظ، وتظهر فيه دقة استنباط الأحكام من النصوص الشرعية.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق