الدرس الخامس: القرآن الكريم (المصدر الأول للتشريع)
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
(الإسراء: 9)
أهداف الدرس
بعد دراسة هذا الدرس ستكون قادرًا على:
- تعريف القرآن الكريم.
- معرفة مكانته في التشريع.
- فهم حجية القرآن.
- معرفة أنواع الأحكام التي تضمنها القرآن.
- التعرف على كيفية استنباط الأحكام من آيات القرآن.
- معرفة أسباب اختلاف الفقهاء في فهم بعض الآيات.
أولًا: ما هو القرآن الكريم؟
تعريف القرآن اصطلاحًا
القرآن هو:
كلام الله تعالى، المنزل على سيدنا محمد ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام، المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
وهذا التعريف يجمع أهم خصائص القرآن.
شرح التعريف
1- كلام الله
فالقرآن ليس من كلام النبي ﷺ، ولا من كلام جبريل، وإنما هو كلام الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾
(التوبة: 6)
2- المنزل على محمد ﷺ
أنزله الله على خاتم الأنبياء.
قال تعالى:
﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾
(الشعراء: 193-194)
3- بواسطة جبريل
جبريل هو أمين الوحي.
4- المتعبد بتلاوته
أي أن مجرد قراءة القرآن عبادة، بخلاف قراءة الحديث الشريف.
قال النبي ﷺ:
«من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها...»
5- المنقول بالتواتر
أي نقله عدد كبير من الناس في كل طبقة من طبقات النقل، بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب.
ولهذا فالقرآن كله قطعي الثبوت.
ثانيًا: مكانة القرآن في التشريع
القرآن هو:
المصدر الأول لجميع الأحكام الشرعية.
ولا يجوز تقديم أي دليل عليه.
قال تعالى:
﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾
(النساء: 59)
أي إلى القرآن والسنة.
لماذا كان القرآن أول الأدلة؟
لأنه:
- كلام الله.
- محفوظ من التحريف.
- قطعي الثبوت.
- أصل جميع الأدلة الأخرى.
قال تعالى:
﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾
(الحجر: 9)
ثالثًا: أنواع الأحكام في القرآن
القرآن ليس كتاب أحكام فقط، بل هو كتاب هداية شامل.
ومن موضوعاته:
- العقيدة.
- العبادات.
- الأخلاق.
- القصص.
- الآداب.
- المعاملات.
- الحدود.
- الأحوال الشخصية.
- السياسة الشرعية.
- القضاء.
أمثلة
في العقيدة
﴿قل هو الله أحد﴾
في العبادات
﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾
في الصيام
﴿كتب عليكم الصيام﴾
في الحج
﴿ولله على الناس حج البيت﴾
في البيع
﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾
في المواريث
سورة النساء.
في الزواج
﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾
رابعًا: حجية القرآن
اتفق المسلمون على أن القرآن:
حجة يجب العمل بها.
ولا يجوز رد حكم ثبت بالقرآن.
خامسًا: دلالة القرآن على الأحكام
وهذا من أهم مباحث أصول الفقه.
فالقرآن يدل على الأحكام بطرق متعددة.
ومن أهمها:
أولًا: الأمر
مثل:
﴿وأقيموا الصلاة﴾
الأصل في الأمر:
أنه يفيد الوجوب.
ثانيًا: النهي
مثل:
﴿ولا تقربوا الزنا﴾
الأصل في النهي:
أنه يفيد التحريم.
ثالثًا: الإباحة
مثل:
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾
الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل دليل على المنع.
رابعًا: العموم
قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾
فالخطاب يشمل جميع المؤمنين، ما لم يرد دليل يخصصه.
خامسًا: الخصوص
قد يأتي نص خاص يخرج بعض الأفراد من الحكم العام.
وسندرس هذا بالتفصيل في باب العام والخاص.
مثال تطبيقي
قال تعالى:
﴿وأقيموا الصلاة﴾
كيف استنبط العلماء الحكم؟
الخطوات:
- وجدوا صيغة أمر.
- والأصل أن الأمر للوجوب.
- إذن الصلاة واجبة.
وهذه طريقة أصولية في الاستنباط.
مثال آخر
قال تعالى:
﴿ولا تقربوا الزنا﴾
لم يقل:
"لا تزنوا".
بل قال:
﴿ولا تقربوا﴾
فيدل ذلك على تحريم الزنا وتحريم كل ما يؤدي إليه من مقدمات، وهو من بلاغة القرآن وسد الذرائع.
لماذا اختلف العلماء أحيانًا؟
ليس بسبب اختلافهم في القرآن، وإنما بسبب اختلافهم في فهم بعض الدلالات.
مثل:
- هل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب؟
- هل هذا اللفظ عام أم خاص؟
- هل هذه الآية منسوخة؟
- هل هذا الحكم مطلق أم مقيد؟
ولهذا جاءت مباحث أصول الفقه لضبط هذه القواعد.
خصائص القرآن
- محفوظ من التحريف.
- معجز في لفظه ومعناه.
- متعبد بتلاوته.
- عربي مبين.
- شامل لكل ما يحتاجه الناس في الهداية.
- المصدر الأول للتشريع.
خريطة ذهنية
القرآن الكريم │ ├── تعريفه ├── حجيته ├── خصائصه ├── أنواع أحكامه │ └── دلالته على الأحكام │ ├ الأمر ├ النهي ├ الإباحة ├ العموم └ الخصوص
أهم القواعد الأصولية التي تعلمناها اليوم
- القرآن هو المصدر الأول للتشريع.
- الأصل في الأمر الوجوب.
- الأصل في النهي التحريم.
- الأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل ناقل.
- ألفاظ القرآن قد تكون عامة أو خاصة، مطلقة أو مقيدة، وسيأتي بيانها في الدروس القادمة.
خلاصة الدرس
- القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على النبي ﷺ، وهو المصدر الأول للتشريع.
- القرآن قطعي الثبوت ومحفوظ من التحريف.
- يدل على الأحكام بوسائل متعددة، منها الأمر والنهي والعموم والخصوص.
- يعتمد المجتهد على قواعد أصول الفقه لفهم دلالات الآيات واستنباط الأحكام منها.
- اختلاف العلماء غالبًا يكون في فهم دلالة النصوص، لا في حجية القرآن نفسه.
أسئلة للمراجعة
- عرّف القرآن الكريم اصطلاحًا.
- لماذا يُعد القرآن المصدر الأول للتشريع؟
- ما المقصود بقولنا: "القرآن قطعي الثبوت"؟
- اذكر خمس خصائص للقرآن الكريم.
- كيف يدل الأمر في القرآن على الحكم الشرعي؟
- لماذا يختلف الفقهاء أحيانًا في استنباط الأحكام من الآيات؟
تمهيد للدرس السادس
سندرس في الدرس القادم السنة النبوية، وهي المصدر الثاني للتشريع، وسنتعرف على:
- تعريف السنة عند الأصوليين.
- حجية السنة والأدلة على وجوب اتباعها.
- أقسام السنة (قولية، فعلية، تقريرية).
- علاقة السنة بالقرآن: كيف تؤكده، وتبينه، وتخصص عمومه، وتقيد مطلقه، وقد تأتي بأحكام لم يرد نصها في القرآن.
تنبيه علمي: عند قول الأصوليين: "الأصل في الأمر الوجوب" أو "الأصل في النهي التحريم" فهذه قاعدة عامة، لكنها قد تُصرف إلى الاستحباب أو الكراهة أو غيرهما إذا وجدت قرينة صحيحة تدل على ذلك. وهذا من الموضوعات التي سندرسها بتفصيل في باب الأمر والنهي لاحقًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق