الشهادة في سبيل الله

    الشهادة هي منزلة من مات مجاهداً في سبيل الله. وهي شرف عظيم وأجرها كبير للإنسان. وما من مؤمن إلا وهو يتمنى هذا الفضل. وذلك لوعد الله تعالى الشهداء بالجنة ومغفرة جميع ذنوبهم (إلا الدين). قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة).[1]وليس كل الشهداء يموتون في الجهاد. فهناك أنواع أخرى من الشهداء. ولكن شهيد الحرب هي أفضل درجات الشهادة. حيث قام صاحبها بالتضحية والجهاد في سبيل الله وقدم روحه لله. وثبت في المعركة وثبت على ملاقاة الموت دون أن يهرب. وصبر على الألم والخوف والجوع وكل ما يواجه المجاهدين في القتال. ولذا نال هذا الشرف العظيم. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[2]. ولشهيد المعركة ثلاث قيود هي: "الموت حال القتال، وكونه قتال كفار، وكونه بسبب القتال"[3].

شهداء لم يجاهدوا

         وهناك أنواع أخرى من الشهداء، لم يبذلوا من الجهد ما بذله شهيد المعركة. ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهي التي بينها لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله فذكر: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، وصاحب ذات الجنب، والحرق، والمرأة تموت بجمع)[4].

-    المطعون: من مات بالطاعون. سألت عائشة النبي الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها: (أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد)[5].

-    المبطون: وهو من مات بمرض في بطنه.

-    الغرق: هو من الموت أختناقاً في الماء.

-    صاحب الهدم: من مات تحت ما وقع عليه من البنيان.

-    صاحب ذات الجنب: وهو "التهاب في غشاء الجنب، وعبارة عن غشاء مزدوج الطبقات الرطب الذي يحيط بالرئتين وخطوط القفص الصدري وهذا الالتهاب يجعل التنفس مؤلما للغاية"[6].

-    المحروق من مات بالنار.

-    المرأة تموت بجمع: وهي التي تموت في الولادة أو عند النفاس[7].

-    الشهيد في سبيل الله: وهو المجاهد ومن يقاتل في صفوف المسلمين بنية نصرة الإسلام.

-    من قُتِل دون ماله. قال صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد)[8].

مكان أرواح الشهداء ودارهم

لقد حثنا الله على الجهاد في سبيله ووعد الشهداء بمنزلة كبيرة وأجر عظيم، حيث قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[9]. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء في طير خضر، في حديثه: (أرواح الشهداء في طير خضر)[10]. وجاء ذكر وجود دار للشهداء في حديث مطول عن عذاب ونعيم القبر، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ، وشباب ... وأما هذه الدار فدار الشهداء).

ليس كل من مات في الجهاد شهيد

         ليس كل من يموت في القتال في صفوف المسلمين شهيد. فهناك من يجاهد مرائياً للناس لنيل غرض من الدنيا. وهناك من تبدل حاله في أخر لحظة كمن ذكر في حديث سهل بن سعد الساعدي حيث قال: (التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل: يا رسول الله، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان، فقال: إنه من أهل النار، فقالوا: أينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لأتبعنه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح، فاستعجل الموت، فوضع نصاب سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: وما ذاك. فأخبره، فقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)[11].

         وقصة ثانية عن شخص مات في الجهاد وظنه الناس شهيد، ولكن قال الرسول أنه رآه في النار بسبب شملة غلها. فقد جاء في الحديث: (لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس، أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون)[12].



[1] أخرجه البخاري (2817)، ومسلم (1877).

[2] التوبة 111.

[3] فتاوى الشبكة الإسلامية، شروط الشهادة.

[4] أخرجه أبو داود (3111)، والنسائي (1846)، وابن ماجه (2803)، وأحمد (23804) باختلاف يسير.

[5] البخاري 5734.

[6] ما هو مرض ذات الجنب، كفاية العبادي، موضوع، ١٥ نوفمبر ٢٠١٨م.

[7] شرح صحيح البخاري لابن بطال، باب الشهادة سبع سوى القتل، 5/43 (بتصرف).

[8] أخرجه مسلم (141).

[9] آل عمران 169-170.

[10] أخرجه العيني في عمدة القارئ (14/158)، وحكم عليه بأن إسناده صحيح.

[11] أخرجه البخاري (2898)، ومسلم (112).

[12] مسلم 114.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق