قال صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه)[1].
الشرح:
هذا الحديث يبين شيئًا من عظيم فضل الشهيد عند الله تعالى، وأن الله يكرمه بخصال عظيمة جزاءً لبذله نفسه في سبيله. وقد رواه المقدام بن معد يكرب، وأخرجه سنن الترمذي وغيره، وصححه عدد من أهل العلم.
وفيما يلي شرح ألفاظه:
قال صلى الله عليه وسلم:
«للشهيد عند الله ست خصال»
أي أن الله تعالى خص الشهيد بفضائل ومزايا عظيمة لا ينالها غيره بهذه الصورة.
1. «يغفر له في أول دفعة»
أي تُغفر ذنوبه منذ أول قطرة من دمه تُراق في سبيل الله، أو منذ أول لحظة من استشهاده.
وهذا يدل على سرعة مغفرة الله له، لكن جمهور العلماء استثنوا حقوق العباد (الديون والمظالم)؛ فلا تسقط بالشهادة، لقوله ﷺ:
«يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين».
2. «ويرى مقعده من الجنة»
أي يُرى مكانه الذي أعده الله له في الجنة قبل دخولها، فيطمئن قلبه ويزداد فرحًا.
وهذا من أعظم البشائر عند الموت.
3. «ويجار من عذاب القبر»
أي يحفظه الله من فتنة القبر وعذابه.
فلا يناله ما قد ينال غيره من العذاب بسبب الذنوب.
4. «ويأمن من الفزع الأكبر»
الفزع الأكبر هو الهول العظيم يوم القيامة عندما يفزع الناس من شدة أهوال ذلك اليوم.
قال تعالى:
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103].
أي يكون الشهيد آمنًا مطمئنًا برحمة الله.
5. «ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها»
تاج الوقار: تاج من الكرامة والشرف.
وأما قوله «الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها» فالمعنى أن جوهرة واحدة من هذا التاج خير من جميع متاع الدنيا؛ لأن نعيم الآخرة لا يقارن بنعيم الدنيا.
6. «ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين»
الحور العين هن نساء الجنة اللاتي خلقهن الله لعباده المؤمنين.
وهذا من نعيم الجنة الذي أخبر الله ورسوله به، فيؤمن به المسلم كما جاء من غير تكلف في معرفة كيفيته.
وقد اختلف العلماء هل هذا العدد لكل الشهداء أم هو لبعضهم بحسب درجتهم، لكن الأصل هو الإيمان بما ثبت في النص.
7. «ويشفع في سبعين من أقاربه»
أي يأذن الله له أن يشفع لسبعين من أقاربه ممن استحقوا الشفاعة، فتقبل شفاعته تكريمًا له.
وهذا من أعظم وجوه الإحسان إلى الشهيد، إذ لا يقتصر فضله عليه، بل يمتد إلى أهله بإذن الله.
من هو الشهيد المقصود؟
الأصل عند إطلاق لفظ الشهيد في مثل هذه الفضائل هو:
من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، مخلصًا لله، فقتل في سبيل الله.
لقول النبي ﷺ:
«من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
أما من مات بسبب الطاعون أو الغرق أو الهدم أو نحو ذلك، فقد ثبت أنهم شهداء من جهة الأجر، لكن ليس بالضرورة أن تثبت لهم جميع الأحكام والفضائل الخاصة بشهيد المعركة، لأن بعض النصوص وردت في شهيد القتال خاصة.
الفوائد المستفادة من الحديث
فضل الجهاد المشروع في سبيل الله.
سعة رحمة الله وعظيم ثوابه للشهداء.
إثبات نعيم القبر وعذابه.
إثبات نعيم الجنة والحور العين.
إثبات الشفاعة بإذن الله.
تذكير المسلم بأن أعظم ما يرفع درجته هو الإخلاص لله، فليست الفضائل بمجرد الموت في المعركة، بل بتحقق شروط الشهادة الشرعية.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص، وأن يحسن خاتمتنا، وأن يجعلنا من أهل جنته ورضوانه.
[1] ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (2/282)، وقال إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما. وأخرجه الترمذي (1663)، وابن ماجه (2799)، وأحمد (17182) باختلاف يسير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق